رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف عمرسعيدالحسني في السبت 10 ديسمبر 2011 - 20:24

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد و على آله و صحبه و بعد
-تذكير:
يستاثر أهل الله تعالى عبر الأجيال بفهوم سنية في الفهم و الإستنباط ، وفي معالجة النفس بالتربية و التزكية ، و في مراقبة الروح و معرفة ما يخالجها من الطوارئ و النوازل. و للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حضور نوراني في مذكراتهم ، لذلك تجد اساليب و عبارات فاضت بها أرواح علية وجدت في المعين النبوي ذاك الفهم و الرشد و الحكمة و الصلاح ، و كيف لا تربو هذه القلوب و هي ترتع في رياض الرحمة و البركة و المدد ، والرأفة و النور فهو صلى الله عليه النور الممتد و الجوهر الفرد صلى الله عليه وسلم ، أرحم الخلق بالخلق و الداعي ألى الله بالحق بالأذن و التأييد و السلطان .
وبين أيدينا نموذج من الصلوات التي حوت على معان جليلة و أذواق سنية في التعلق بالجناب النبوي العالى بالله يقول صاحبها : ( اللهم اطو لساني بالصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم ، حتى يكون لي في كل نفس بقدر ذرات العوالم كلها ألسنة اصلي بها على النبي صلى الله عليه وسلم بكل لغات خلقك ، من العرش الى الفرش ومن بدء البدء ألى ما لا نهاية لكمال الله و بقائه ن حتى أنغمس في أنواره صلى الله عليه وسلم فأكون نورا روحانيا كليا استمد منه العلم و الفهم و الحكمة و الرشد و صلاح أمر الدنيا و الآخرة فصل اللهم على هذا النبي الأمي الزكي صلاتك الدائمة الأبدية الأزلية و على آله وصحبه وسلم).
لا شك أن الحقائق الربانية تفيض على العبد الطالب لوجه الله تعالى ، بمجرد ما يتخذ من الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم وردا ، بل و توجها خالصا مستحضرا الجناب العالي بالله جناب النبوة ، وتزداد قابليته للترقي عند و قوفه على معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم.
و الحقيقة الآدمية في الإيجاد و اللإمداد و الإستمداد و الإستحضار متعلقة بالحب المفرط بل الفناء الكامل في ذكره صلى الله عليه وسلم و الصلاة عليه ، فلا يفلح من يفلح الا من اتخذ من الآية الكريمة الآمرة المخبرة للمؤمنين بأن الله تعالى و ملائكته عليهم السلام لا يفترون عن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، فأن كان الحضرة الألهية ثم الحضرة الملائكية تصلي عليه صلى الله عليه وسلم فما موقعك في وجودك الآدمي ثم كينونتك في سرب الصالحين ثم تشوفك لمقامات الأولياء المقربين ، و أنت عاجز عن أدراك الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم الصلاة الحقيقة.؟
1.مقدمة:
من لم يجد الحضور النبوي في كل شيء لم يفلح ؟
من لم يدرك الحضور النبوي في الكون من العرش الى الفرش الى ما لا نهاية لم يفلح؟
كانت الكلمات التي أذكرها في هذه المشاركة اليتيمة الفقير صاحبها الى نظرة نبوية رحيمة اشد وطئا علي و أنا أقرئها في كتاب الأبريز و كتاب رشحات الحياة للأمام الهروي ، ثم لشروحات الولي الصالح سيدي محمد مرون دفين مدينة تطوان على الصلاة المشيشية ، ينبه فيها السالك الى أمر عظيم يغفل عليه بعض المريدين ، كيف أصلي على الحبيب صلى الله عليه و سلم.؟
لم قال صاحب الصلاة : اللهم اطو ؟
وهو يشير ألى معنى الطي في الذكر و الغيبة عن اللفظ و الوقوف العددي ثم الحضور المكاني ، ثم الفيض الزماني عند الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم بل و حتى عنذ ذكر الله تعالى ؟
كيف يكون العدد موافقا للحضور في زمان و مكان معين فيسري نور الصلاة في الجسد و القلب و الروح ثم يملأ المكان ، ثم يقف الزمان عند ذكر أشرف الخلق ليستمر في ديمومته و أبديته يتباهى و يتفاني بل يملأ الكون بانواره ، فيوافق الذكر ذكر الحبيب صلى الله عليه وسلم فتكون رشحات الحياة الحقيقية تسري في أوصال العبد و مشاشه ، يطهر النور النبوي العقل فيشرق بالحكمة ، ثم الفهم بمعنى الرحمة ، ثم تكون الإرادة الرشيدة مقرونة بالعمل الصالح على المنهاج و الطريقة النبوية في كل شيء في كلية الأمر و جزئياته ، فتستقيم الخطى على الهدي النبوي.
الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم في أمرها الخاص و العام ، الفردي و الجماعي قضية القضايا بل لب وجودنا ، ما خلقنا ألا لنصلي عليه صلى الله عليه وسلم ، فهي من العبادات التي أمرنا الله بها ، و جعل قابليات و استعدادات العباد متفاوتة.
ليس بعد هذه الحقيقة حقيقة سوى أننا رغم فعل الصلاة و مدامتنا عليه نظل عاجزين عن أدراك كنه الصلاة التي أخبر الله بها خلقه.
الصلاة المستمرة الأبدية الدائمة عليه صلى الله عليه وسلم.
يجد بعض الحمقى ممن يعبدون النص و ليس خالق النص و مبلغ النص صلى الله عليه وسلم تغاليا في مدح الفقراء المساكين الوالهين بالجلال النبوي ، فيرى الحقيقة المحمدية التي يتغنون بها بل و يتفانون في التعلق بها شرك ، كيف يكون الحضور النبوي في الكون ، و كيف يتحسسه العبد ، ويتصل به و يسمر به و يتلذذ بالمشاهدات النبوية و يستمد من الجناب النبوي لذيذ الخطاب ، و خصوصية الفهم ، و معاني الرشد ، و أنوار الحكمة.؟ كيف سيفهم عنك أنك ترى النبي صلى الله عليه وسلم حيا و أنه حي في كل زمان و مكان ، حاضر ظاهر باطن في كل شيء ، يستمد منه الكون كل الخير و النعمة و الفضل و الحب و الرحمة؟
اسال الله تعالى أن يرحمنا آمين.
avatar
عمرسعيدالحسني
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 20
العمر : 46
الموقع : www.manthoor.com
المزاج : معتدل هادئ محب للحوار
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف عمرسعيدالحسني في السبت 10 ديسمبر 2011 - 20:24

2.حقائق و إشارات :
للغفلة حيز كبير في حياة الإنسان لضعفه و انكساره أمام دواعي النفس و الهوى و الشيطان. و تزداد حبائلها إن لم يكن له في يومه حبل متين يشد به عضده و يهيأه للحضرة مهما كانت غفلته.
و لخلافته عن الله تعالى شرف نيابة و مناط تكليف.فكيف يتخلص العبد من هذه الغفلة ؟ و تسمو روحه للري من مناهل الحضرة النبوية و حقائقها النورانية؟.
ترى غالبية الأفكار التي انبثقت من الفكر الحر و العقل المعاشي أن الإنسان مجرد وجود همل أو حلقة و آداة أنتاج ، و في المناهج النفسية قواة مدركة و أحاسيس لا تستحق الكبت بل التنمية و التطوير.وهلم جرا.
ولم يكن الإنسان في الوحي شيئامذكورا ، إلى أن تكرم الله عليه و أحب أن يعرف و يعبد فخلقه من نطفة أمشاج يبتليه فجعله سميعا بصيرا.!! و كان في وجوده عبد حامل للمنتقضات ، مستأثر ا عن باقي المخلوقات في أنانية فريدة معنى النيابة بأيجابياتها و سلبياتها.
الخلافة عن الله معنى خاص ، و للعبد الغير المذكور وظيفة و تكليف ثم حمل للأمانة.للأنانية حضور خاص في الإنسان ، لكنها تتلاشى و تندثر بمجرد ما يقوم العبد بفعل الحمد ، حمد الله على نعمه ، ثم حمد لله أن جعل الله من الوحي بابا بل وسيلة إتصال الأرض بالسماء.
أ.عبد يوحى إليه :
أصبح الوحي مجرد كلمة ثراثية ، ليس لها وقع و لا معنى . تجد في التصانيف الأكاديمية كلمة الوحي رديف الصرع ، أو الأمراض العصابية ، أو الخيالات الوهمية المتعلقة بتلباتي و الباراسيكولوجيا لا غير. النبي مجرد رجل عاش و مات اختلط عليه الوهم بالواقع و الخيال بالحقيقة ، فكانت كلماته غامضة عن رب يعبد و شريعة تنزل وأقوام سذج تتبع. في حين الوحي أمر عظيم و ليس بالهين.
و في صراعات الأجيال المؤمنة ، تجد بعض طوائف من المسلمين عن حسن نية ، أن تعظيم و تقديس جناب النبوة و تعظيمها و تسييدها شرك و فعل مشين ، صرح أحد الفاعلين في الحركات الأسلامية ، أن محمد صلى الله عليه وسلم رسول قد خلت من قبله الرسل ، و أن لكل زمان رجال ، الرجل اختنق بسبب تدخل لأحد المشاركين مستشهدا بالكلمة المشهورة لأحد المستشرقين ، لو كام محمد نضيف صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا لحل مشاكل العالم وهو يحتسي كاسا من القهوة! ، أختنق غفر الله لنا و له ، وهو في أحدى مشاركاته في مجلة يسارية مغربية يصف من يرى محمد صلى الله عليه وسلم يقظة مخبول و مجنون يستحق دخول المارستان ؟ و في فكره التجديدي يضع علامات استفهام حول حضور مميز للمجددين ، ويصفها بالخرافات ، ويدعو لمجتمع المؤسسات ، و قراءة لثراثنا التربوي و التاريخي بمعايير عقلية ؟
عندما أقر أ في كتاب الله قوله تعالى : ( و النجم إذا هوى ، ما ضل صاحبكم و ماغوى ، و ما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، علمه شديد القوى ، ذو مرة و استوى ، وهو بالأفق الأعلى ، ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى،ما كذب الفؤاد ما رأى ) النجم آ 1 إلى 11. ما ذا أفهم ؟ و ماذا أتلقى من حقائق ؟

يقول الشيخ عبد السلام في فقرة من فقرا كتابه محنة العقل المسلم حول معنى الوحي : (ما هو الوحي ؟
جذبت عناية الله السابقة عبده محمدا صلى الله عليه وسلم إلى ميقات نزول الوحي عليه، لما بلغ الأربعين من عمره حبب إليه الاعتزال والتحنث (وهو التعبد). فكان يخرج إلى غار حراء الليالي ذوات العدد يتزود لذلك.
روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن الوحي فاجأه في الغار. فجاء الملك جبريل عليه السلام فقال له : اقرأ. قال صلى الله عليه وسلم : "فقلت ما أنا بقارئ". فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد". ثم غطه الثانية والثالثة. ثم قال له : ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم﴾ (سورة العلق، الآيات : 1-5).
قالت عائشة رضي الله عنها : "فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده. فقال لخديجة : زملوني، زملوني ! حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة -وأخبرها الخبر- لقد خشيت على نفسي !
"فقالت خديحة : كلا ! أبشر ! فوالله لا يخزيك الله أبدا ! إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق".
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي -وهو ابن عم خديجة أخي أبيها- وكان امرء تنصر في الجاهلية. وكان يكتب الكتاب العبراني. فكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي.
فقالت خديجة : يا ابن عم ! اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة : يا ابن أخي ! ما ذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى.
فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزل الله على موسى. يا ليتني فيها جدعا ! ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك !
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أو مخرجي هم ؟ ! "
قال : نعم ! لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. وإن يدركني يومك حيا أنصرك نصرا مؤزرا".
هكذا نزل الوحي على رجل ما كان له علم بالناموس الذي ينزله الله على من يشاء من عباده.
ما كان يعلم، فلذلك فزع من رؤية رجل غريب يخاطبه ويغطه (أي يضمه بشدة) ويطلب إليه أمرا ليس له به عهد وهو الأمي.
لم يكن فيلسوفا متطلعا إلى ميتافيزيقا. لا ولا قارئا مثقفا مطلعا على تاريخ الأنبياء.
إنما كان رجلا منصرفا إلى شأنه في تجارته وأسرته وقرابته كما ينصرف الناس، حتى استيقظت الفطرة في قلبه. فرفع بصر قلبه إلى الأفق الأعلى، إلى أفق السؤال المفتقر. فجاءه الجواب الخاص الذي ينزله الله على صفوة خلقه، وهم رسله وأنبياؤه عليهم السلام.
سردنا كيف نزل الوحي. وليس الكيف والحدث جوابا عن عنوان هذه الفقرة الذي يطلب تفسير ماهية الوحي.
ما هو الوحي ؟
يستطيع كل أن يجيب بما عنده من تخرص أو استنتاج أو تعريف لغوي.
فالمحلل النفسي المستشرق يستجمع آلات صناعته ليستدل على أن الرجل كان صادقا في الإخبار عن الحدث. لكنه، مثل غيره ممن يعانون من الذهان وانفصام الشخصية خاطبته أشباح هلوساته.
وقال المعاصر الذي كذب وتولى بعد أن فكر وقدر وعبس وبسر : ﴿إن هذا إلا سحر يوثر، إن هذا إلا قول البشر﴾.
وقال آخرون ممن صموا عن سماع النداء : مجنون، كذاب، أفاك.
وقال اللغوي : الوحي الإشارة السريعة.
وقال الله عز وجل : ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أويرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء. إنه علي حكيم﴾ (سورة الشورى، الآية : 48).
فالوحي كلام يكلم الله به عباده المصطفين إما للاهتداء في حد ذواتهم، فتلك النبوءة، وإما يصطفيهم سبحانه لحمل رسالته لمن يشاء من خلقه، وتلك رسالة الرسل عليهم السلام، وقوامها النبوءة.
يوحي سبحانه إلى أنبيائه ورسله بالكلام القدسي كما أوحى إلى موسى عليه السلام، أو يرسل أمينه على وحيه جبريل عليه السلام فيوحي بإذنه ما يشاء.
ويوحي سبحانه إلى عامة المستجيبين للرسل بواسطة الرسل عليهم السلام كما قال تعالى : ﴿وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ (سورة الأنبياء، الآية : 72).
ويوحي إلهاما كما قال عز وجل عن النحل : ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا﴾ (سورة النحل، الآيتان : 68-69).
ويوحي سبحانه إلى عمار السماوات من الملائكة كما قال عز وجل : ﴿وأوحى في كل سماء أمرها﴾ (سورة فصلت، الآية : 11).
ويوحي إلى الملائكة أمره العزيز في المواقف الخاصة كما أوحى إليهم سبحانه في واقعة بدر : ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب. فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ (سورة الأنفال، الآية : 12).
وأوحى سبحانه إلهاما إلى أم موسى عناية منه سبحانه بوليدها السعيد : ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني. إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ (سورة القصص، الآية : 6).
ويوحي سبحانه ببشرى في المنام للسعداء من المومنين كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوحي ارتفع من بعده وبقيت لأمته المبشرات وهي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.
فاجأه الوحي صلى الله عليه وسلم وأفزعه، لأنه لم يكن ينتظر الحدث الجلل. كما قال الله عز وجل يخاطبه فيما بعد : ﴿وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك﴾ (سورة القصص، الآية : 86) وقوله عز من قائل : ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان. ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ (سورة الشورى، الآية : 49).
جاءه الوحي صلى الله عليه وسلم. كلمه ربه بواسطة الملك الكريم. وأمره بالقراءة إذ القراءة مفتاح العلم. وعلمه الجواب الإجمالي عن السؤال الفطري الذي يلح على القلوب السليمة وتعمى عنه وتجهله وتتجاهله الفطر المريضة.
﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق﴾ (سورة العلق، الآيتان : 1-2).
في أول جملة كلم بها الحق سبحانه خاتم أنبيائه وتاج رسله، جاء الجواب بأن الله هو الخالق لا الأصنام، ولا الأبوان، ولا الطبيعة، ولا السلحفاة الماكرة في جزر الجلاباجوس تكيف أعضاءها لتتلاءم خلقتها مع البيئة المحيطة.
وفي ثاني جملة إخبار بأصل خلق الإنسان في أحشاء ظلمة البطن، علقة ثم خلقا بعد خلق حتى يستوي الجسم ويخرج إلى الوجود الخارجي لغزا على نفسه إلا أن تتداركه العناية الإلاهية فيصغي.
وحمل صلى الله عليه وسلم الرسالة إلى العالمين مبدأها الأول معرفة الخالق وتوحيده وعبادته.
جاءت الرسالة إلى الأرض لينشأ لها دعاة وحملة ينصرون الرسول ويجاهدون إلى جنبه. واختار العلي الحكيم سبحانه أمة أمية فارغة من كل علم، قليلة البضاعة من مكتسبات الحضارة، قبائل متفرقة تظهر إحدى معجزات الرسول المبعوث في جمع كلمتها، جاهلة سرعان ما تتعلم لتكون بعد فترة وجيزة أستاذة العالم.
كانت العرب في جاهليتها تعبد أصناما، لكل قبيلة وفخذ وأسرة صنمها المفضل. يصنع المتواضعون آلهتهم من خشب منحوت أو حجر منصوب أو خبز يأكلونه عند الحاجة. ويستورد عسلية القوم أصنامهم من الشام وأطراف الشام المتحضرة المتقنة للفنون الهانستية التي احتلت بثقافتها تخوم بلاد العرب منذ غزوات الإسكندر المقدوني.
وحي يتلى على قوم أميين بهرتهم بلاغته، وأعجزهم بيانه وهم بلغاء العرب وفصحاؤها، فكان الوحي وإعجازه وتحديه الذي لم يرفعه منهم رافع أظهر المعجزات. ومعجزات أخرى كثيرة ظهرت تأييدا إلهيا على يد الرسول كما تظهر على أيدي رسل الله عليهم سلام الله.
وحي يحمله رجل عرف بالأمانة والصدق والشرف.
ومعجزات خارقات مثل شق القمر. وقوم أميون قريبون من الفطرة مجردون من الحمولة الحضارية الثقيلة التي تغلف الإنسان في أردان مادته ومصنوعاته ومنحوتاته الصنمية الحجرية أو الفكرية الفلسفية.
قوم مع ذلك لبعضهم على بعض سيادة، وامتيازات ورئاسات ومصالح.
وعودي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوتل. ونهض معه النهضة العظيمة التي نقرأها في السيرة قوم سمعوا واستجابوا.
وصحب الوحي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مراحل جهاده. في الأحداث الكبرى مثل مسراه ومعرجه الشريف حين ناجاه ربه سبحانه منه إليه. وفي غزواته الحاسمة مثل بدر وأحد والفتح وحنين والعسرة.
وصحبه الوحي صلى الله عليه وسلم يفصل له ولأمته ما فرض الله عليها وما أحل وما حرم. ويبشر وينذر.
كان الوحي في مكة لمدة ثلاث عشرة سنة يركز انتباه المؤمنين والمؤمنات على التوحيد وعلى الآخرة. ثم كان جل ما تناوله بعد ذلك الحث على الجهاد، وضرب الأمثال بصبر الرسل وجهادهم، وتوجيه المسلمين في المواقف التي يحار فيها الرأي، وأحكام التشريع.
لم يقص الوحي العقل المعاشي المدبر للشؤون الحياتية. بل نصبه أميرا في مجالاته المشتركة بين البشر عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار في مسألة تأبير النخل : "أنتم أعلم بأمور دنياكم".
ولم يعتقل الوحي العقل المدبر المبتكر اليقظ المتفاعل مع الأحداث يعرف الضار من النافع، والأليق من المخطئ.
لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه ويستطلع رأيهم ويتوسط في خلافاتهم فيما يرجع للرأى والحرب والرحلة والمنزل والقسمة. مستهديا هو وهم بالوحي واقفين عند نصه وروحه، مجتهدين في التطبيق حسب الاستطاعة والمقدار الموفي بالغرض، وحسب الزمان والمكان.
وتنوعت طرق نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة يشاهدون ويعيشون مع الوحي والموحى إليه في وقائع يومية تأكدوا فيها من صدق الصادق الأمين وازدادوا إيمانا على إيمان.
قال تعالى : ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا. فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ (سورة التوبة، الآية : 126).
كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم الهيبة العظيمة في قلوب أصحابه رضي الله عنهم. بشريته واصلة بينه وبينهم، يشاركهم في المطعم والملبس والمسكن والسراء والضراء والمرض والصحة والفقر والغنى. وكان الوحي واصلا بينه وبين القدس.
كان الواسطة صلى الله عليه وسلم. وتلك نموذجيته التي أخبر عنها قوله تعالى : ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ (سورة الكهف، الآية : 105).
وتلتقي البشرية المحمدية مع الوحي، فيسأله الصحابي الحارث بن هشام : "يار سول الله ! كيف يأتيك الوحي ؟ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني. فأعي ما يقول".
ومرات زارهم الأمين جبريل عليه السلام على صورة دحية رجل يعرفونه، فيحسبون أنه من يعرفون، حتى يخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه جبريل جاءهم يعلمهم دينهم.
كانوا يعرفون من تغير بشريته صلى الله عليه وسلم متى ينزل عليه الوحي. فيقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه : "كان نبي الله إذا أنزل عليه كرب وتربد له وجهه". وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي "غمض عينيه، وتربد وجهه".
كان الوحي حدثا يوميا وأمرا معروفا وظاهرة مألوفة.). مقتبس عن كتاب محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي و سيطرة الهوى، الشيخ عبد السلام ياسين.
قال الله تعالى يخاطب حبيبه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ [2]. روح من الله إلى رسول الله. نور محمول إلينا، باق بين ظهرانينا. به فقط يستنير لنا المنهاج، الصراط المستقيم، صراط الله الذي له ما في السماوات من غيب نؤمن به، وما في الأرض من حقائق محرقة تصطلي الأمة بنارها. والله ورسوله الملجأ. فأين نذهب؟ كل المذاهب الضالة جربت فينا ففتكت بنا. ونور الله بين أيدينا. يا للهلكة! هلكة من يتحدث عن محمد العبقري بطل القومية. قال تعالى يخاطب أمثال هؤلاء: ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [3]. عبد يوحى إليه. والوحي والرسالة مناط الإيمان كله. لذلك يركز وَثنيو القومية وأساتذتهم من المستشرقين هجومهم على الوحي والرسالة ليتعتعوا المسلمين عن يقينهم بأن الرسول مبعوث مأمور من لدن خالق الأرض والسماء، خالق الإنسان ومصيره من الدنيا للآخرة. وبنعوت خبيثة كالعبقرية والبطولة يحاولون أن يمحوا وجه العبد الذي فزع لما باغته الوحي ورأى جبريل، ثم استأنس، ثم تلقى القرآن، ثم دعا قومه، ثم أوذي في الله فصبر، ثم ربى وجاهد، وهدى الله به العالم إلى يوم القيامة. عبد لا يشرع من عنده، وإن خطط فتطبيقا للوحي يصحبه التوفيق الإلهي. وإن حمل السلاح فاستجابة للأمر الإلهي. وإن قال فبالله، وإن تحرك فبإذنه، وإن غضب فله، وإن أحب ففيه. عبد رباني إلهي. عبد يوحى إليه.
كان القرآن ينزل طريا مواكبا للمسيرة التاريخية موجها لها. هو العلم، وهو المنهاج، وهو البرنامج، وهو النور الهادي إلى صراط الله. وكانت نظرة العبد الرسول صلى الله عليه وسلم ونظرة أصحابه مجتمعة لا تشتت فيها. لم يكن القرآن تراثا يحتل حيزا من الفكر ورفوفا من المكتبة، بل كان هو الفهم، وهو العلم، وهو الحياة. كان تناقض صارخ بين أحوال الجاهلية وبين ما يدعو إليه القرآن. فنهض أهل القرآن. خرقوا كل سياج يصد عن سبيل الله. حطموا المنكر وغيروا الواقع حتى يستقيم على ما يأمر به الله. كانت وحدة مشخصة في العبد الصادق الرسول، ممثلة في كلمة الله الموحى بها، ماثلة في جماعة هي جيل القرآن كما يقول سيد قطب رحمه الله.
لم تكن الحياة أشتاتا ونتفا في سلوك أهل القرآن. الحياة والموت، الدنيا والآخرة، العابد والمعبود، كانت جميعا يلفها في عقيدة التوحيد والرسالة والملائكة والبعث والقدر شرعة واحدة. يسير بها في صراط الله منهاج واحد. لم تكن العاطفة في واد والعقل تائها في التحليل الفلسفي. كان الإنسان جميعا. نحن أشتات اليوم. فمعنى اتباعنا المنهاج النبوي أن نجتمع عقلا وعاطفة، ماضيا وحاضرا ومصيرا، دينا ودنيا وآخرة، أفرادا على بينة من هويتهم وعبوديتهم لله ومسؤوليتهم أمامه، وجماعة على بينة من مصيرها التاريخي فيها استعداد وقدرة على الجهاد. بالقرآن انكشف لجيل القرآن ما في النفس البشرية والكيان البشري الكلي من أسرار كانت غامضة حتى علمهم إياها الوحي. وبه ارتفع عن أعينهم التناقض الظاهر العقلاني بين الإنسان والإنسان، بين الإنسان والجماعة، بين البشر والكون. بالقرآن ابتنيت نفوس مؤمنة، ومجتمع مؤمن، وحركة في العالم إيمانية. بالقرآن عرف أهل القرآن الله عز وجل، وبه استناروا في سلوكهم النفسي ومعراجهم الروحي في معارج الإيمان. وبالقرآن كانوا القوة التي حطمت باطل الشرك، وبه أقاموا العدل.) من كتاب القرآن و النبوة ، نفس المؤلف.
و لعل القارئ يجد نوعا من الإستغراب حول هذه المعاني ، وما علاقتها بالوحي ؟
لعلنا نجهل في ضمائرنا ، و لا تتحسسه عقولنا معنى الوحي ، و للوحي حضور ماثل أمامنا عبر الأزمان لا تكذبه الحقائق التاريخية و لا العلمية . فإن كنا عاجزين عن إدراك ما نحن فيه من النعمة ، نعمة أن أرسل الله ألينا أحب خلقه صلى الله عليه وسلم يوحي لإليه ليعلمنا ؟ فكيف سنتعلم منه كيف نصلي عليه صلى الله عليه و سلم.؟
من كلمة من ؟ من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا ! صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهل عند الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم يصلي علينا الله عشرا ؟ هل كلنا حقا ؟.
في اشارة من ، دعوة الى البحث و التقصي ، سرعان ما تكتشف أن صلاتنا مجرد لقلقة لسان ، و رغم ذالك فهي رحمة ، حاشاه صلى الله عليه وسلم أن يغفل عنك و أنت مغفل ساه تفكر في الضيعة ، و الرحلة ، و الجاه ، و أنت تصلي عليه صلى الله عليه و سلم ، وهو برغم ذالك بك رؤوف رحيم.!
تجد في كتاب دلائل الخيرات كلمة ، هي بحق مفتاح لأدراك الصلاة ، عبارة نيابة عنا ؟
نسال الله تعالى أن يرحمنا آمين.
avatar
عمرسعيدالحسني
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 20
العمر : 46
الموقع : www.manthoor.com
المزاج : معتدل هادئ محب للحوار
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف عمرسعيدالحسني في السبت 10 ديسمبر 2011 - 20:25

3.العبد الجامع :
تجد في مذكرات أهل الله تعالى ، كلمات جامعة مانعة تشير الى فهم خاص ، و استنباط فريد. غير أن هذه المصطلحات لفظا لا أصل لها في القرآن و السنة ، بل أجتهد أهل الطريق في وضعها مع سند مماثل في الأصلين.
يقول الشيخ الأكبر ابن عربي قدس الله سره في الصلاة الأكبرية : ( ...وارض اللهم عن خليفته في هذا الزمان ، من جنس عالم الأنسان ، الروح المتجسد و الفرذج المتعدد ، حجة الله في الأقضية ، وعمدة الله في الأمضية.
محل نظر الله من خلقه ، منفذا أحكامه بينهم بصدقه ، الممد للعوالم بروحانيته ، المفيض عليهم من نور نورانيته ، من خلقه الله على صورته ، و أشهده أرواح ملائكته ، وخصصه الله في هذا الزمان ليكون للعالمين أمان.
فهو قطب دائرة الوجود، ومحل السمع و الشهود.
فلا تتحرك ذرة في الكون ألا بأذنه ، و لاتسكن إلا بعلمه.
لأنه مظهر الحق ، ومعدن الصدق .
اللهم بلغ سلامي إليه و أوقفني بين يديه.
و أفض علي من ممده ، واحرسني بعدده ، و انفخ في من روحه كي أحيى بروحه ، لأشهد حقيقتي على التفصيل ، و أعلم منها القليل و الكثير، و أرى العوالم الغيبية تتجلى بصوري الروحانية ، فأكون مع الله آله ، بين أفعاله و صفاته ، ليس لي من الأمر شيء معلوم و لاجزء مقسوم .فأعبده في جميع الأحوال بل بحول ذي الجلال و الإكرام.يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه ،
اجمعني به و عليه و فيه......).
كيف يدعو الشيخ الأكبر و يتضرع و يستعطف مولاه في لقاء الخليفة ؟
وهو من هو ملأت الدنيا تصانيفه ، و فاحت أذواقه ، وتدفقت معارفه.
من هو الخليفة ؟ صاحب المدد و البركة و الفيض ، الممد للعوالم بالأنوار ، القائم بالوراثة النبوية مصالح العباد و الخلائق.
من تتحرك الدنيا و تقعد بقعوده اشارة الى النصرة و القوة و التاييد ، ممن كان لهم حضور استثنائي في تاريخ المسلمين .
في الصلاة الأكبرية إفشاء للسر و هتك للستر ، لكن في عمق تعابيرها دعوة للتفكر و التبصر.
تبدأ رحلة العبد الجامع لفضائل التربية و العلم ، بالنفخ في ظلمات ثلاث فيستوي رشيدا ممكنا قائما على قدم جناب النبوة مستعدا لتحمل أعباء الرسالة و الدعوة ومهنة التمريض و التزكية.
فتجتمع الأمة على فضله و يناوئه من يناوئه لكنه منصور بالله.
في القرآن إشارة الى الهاد ، و المنيب ، والولي المرشد ، والرباني ، و الصديق و الولي.
وهي كلمات توحي بنفس المعنى و ان أختلفت الفهوم، غلى وجود رجل رباني دال على الله ، عبد جامع للعلم و الفهم و الحكمة و الرشد و صلاح أمر الدنيا و الآخرة.
وهذا ماأشارت أليه الصلاة التي نحوم حول معانيها قبل أن نشرع في شرحها.
.....( حتى أنغمس في أنواره صلى الله عليه وسلم ، فأكون نورا روحانيا كليا.....) كيف ينغمس العبد الطالب لوجه الله تعالى في أنوار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أن لم يكن له شيخ كأمام للصلاة.
يقول الشيخ عبد السلام ياسين في هذا المعنى العامة العامة يقصدون الشيخ للتبرك به، يسألونه الدعاء في حاجة مريض أو غائب أو رزق. وقد يصادف أن تقضى تلك الحاجات والمزورُ كذّاب دجّال استدراجا من الله عز وجل وخذلانا. وقد يكون المقصودُ ممن قال الله فيهم: "ولئن سألني لأعطينّه"[1]. فيكون الزائر مغبونا أشد الغبن إذا أوقفه الله على باب من أبوابه فلم يسأل إلا عافية الأولاد وسراح السجين وإدرار الرزق.
من المشايخ من له حظ من الولاية لا يؤهله لأكثر من إشمام جلسائه وأصحابه رائحة الرائحة، فمهما كان باعث المريد القاصد عاليا فالغنيمة لا تعدو قبضة من الخير في درجة التقوى والاستقامة. ومن المشايخ بحارٌ زخارةٌ بالأنوار، مفتوح لهم الباب، يجذبون القاصد ويرفعونه ويرقونه ولو جاء بباعث دونٍ. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
كما أن هنالك درجات في سمو باعث المريد ودُنوهِّ، فهنالك أيضا درجات في أهلية الشيخ. والأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف كما قرأنا في الحديث. وحظوظ العباد من الله تعالى ومما يؤدي إلى معرفته جل وعلا من لقاء الرجال الواصلين الموصلين قدَر مقدور وكتاب مكتوب. اللهم مُنَّ علينا بمعرفتك ومعرفة أحبابك.
يشترك العامة المتبرِّكون والمريدون الصّادقون في ميلهم إلى الغلوِّ في الشيخ، خاصَّة إن كان من أصحاب الكرامات الظاهرة والبراهين الساطعة والهداية والتيسير. وينبري علماء الشريعة رضي الله عنهم، حراسُ الحدود، ليدفعـوا بلاء الغلوِّ غيرةً منهم على مقام النبوة والإلهية أن يزاحما، وخوفا منهم أن يؤديَ الغلوّ إلى الشرك والعياذ بالله. لذا نجد الفطاحل من أمثال ابن تيمية يعترف بمقام المشيخة، لكن يهون من شأنه إلى حد ما. فالشيخ المربي عنده بمثابة إمام الصلاة يَجوز الاستغناء عنه إن صمم المصلّي أن يضيع أجر الخمس وعشرين ضعفا الموعودة لصلاة الجماعة خلف الإمام. فاعتراف ابن تيمية رحمه الله بالمشايخ وإعطاؤه إياهم مرتبة إمام الصلاة شيء لا يُستهان به. وهو حكم شبيه بفتوى ابن خلدون في الحالات التي يُطلب فيها ابتغاء الشيخ دون أن يكون ابتغاؤه شرطا ضروريا، حسب الباعث والمراد.
قال شيخ الإسلام: "والشيوخ الذين يُقتدى بهم يدلون عليه (أي على الله جل جلاله)، ويرشدون إليه، بمنزلة الأئمة في الصلاة(...)، وبمنزلة الدليل الذي للحاج، يدلهم على البيت وهو وَهُمْ جميعا يحجون إلى البيت، ليس لهم من الإلهية نصيب، بل من جعل لهم شيئا من ذلك فهو من جنس اليهود والنصارى الذين قال الله في حقهم: )اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ( (سورة التوبة، الآية: 31)"[2].
ويسرد جزاه الله خيرا، صيغ الاسثغاثة بالأحياء والأموات الفاشية في العامة ليشدد النكير عليها. وهذه ذريعة خليقٌ بكل صادق أن يتجند لسدِّها.
نستمع الآن إلى أهل الفن ماذا يقولون في المشيخة. واحد من أحبائهم، اللاحقين بهم إن شاء الله، هو عز الدين بن عبد السلام. له معهم "قدر مشترك" أوفى من قدر شيخ الإسلام الذي عاب عليه معاصروه أنه "لم يتأدب بشيخ". فمعرفة سلطان العلماء الشافعي المنفتح بالمشيخة وأنوارِها أدقّ من معرفة الفاضل الحنبلي الفارس المتصدي للبدع. وكلاهما مفخرة للمسلمين.
قال ابن عبد السلام: "اعلم أن الخلق كلهم أطفال في حجر تربية الحق سبحانه يُغذِّي كل واحد من خلقه على قدر احتمال معرفته. فغذاء الرجال لا يصلح للأطفال، ومراكب الأبطال لا تصلح للبطّال. ألا ترى أن الطفل لمّا لم يُطِق تناول الخبز واللحم، أطعمته حاضنته فوصل إليه (الغذاء الذي يتضمنه الخبز واللحم) بواسطة اللبن ولو أطعم ذلك مجردا لمات. ومن هنا يقال: من لا شيخ له لا قبلة له، ومن لا شيخ له فالشيطان شيخه"[3].
الشيخ إذن أكثر من إمام الصلاة، بل هو قبلة وحاضنة مُغذية.
فإذا جئنا إلى أساتذة الفن وجهابذته وجدنا المعرفة الأكمل بما هو الشيخ، لأن من يتكلم عن حال واتصاف ليس كمن يراقب من خارج الأسوار عن بعد أو قرب ويصف ما لحظته عيناه من ظواهر الأمور. ولئن كان سلطان العلماء طفلا أرضعته أثداء المشايخ السخيّة لمّا جاء طالبا راغبا، فإن أمثال الشيخ عبد القادر والشيخ الرفاعي قدس الله سرهما هم المغذون والأئمة والقبلة، قبلة القلوب والحب، لا قبلة العبادة والصلاة.
قال الشيخ أحمد الرفاعي: "عليكم أي سادة بذكر الله! فإن الذكر مغناطيس الوصل، وحبلُ القُرب. من ذكر الله طاب بالله. ومن طاب بالله وصل إلى الله. ذكر الله يَثْبُتُ في القلب ببركة الصحبة. المرء على دين خليله. عليكم بنا ! صُحْبَتُنَا تَرياقٌ مجرّب، والبعد عنّا سم قاتل. أيْ محجوب! تزعم أنك اكتفيت عنا بعلمك! ما الفائدة من علم بلا عمل؟ ما الفائدة من عمل بلا إخلاص؟(...) من ينهض بك إلى العمل؟ من يُداويك من سم الرياء؟ من يدلك على الطريق القويم بعد الإخلاص؟ ) فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ( (سورة النحل، الآية: 43).. هكذا أنبأنا العليم الخبير"[4].
إنك يا غافل لا تقرأ إشهار رجل يدعو الناس إلى نفسه، إنما تقرأ نصيحة عالم عَدْلٍ يمحض جلساءه الوصية، ويوصي مَن بَعْدَ زمانه من الصادقين بأن الدواء والترياق هو الصحبة والذكر. الذكر والصحبة. "والبعد عنا سم قاتل". نعم والله ولو حَيِيتَ حياة العافية في بدنك وظاهر إسلامك! هل طبت بالله كما طابوا؟ هل وصلت كما وصلوا؟ اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
من وراء الخبرة و"المعاناة" التي وصفها ابن خلدون أمْرٌ زائد، رحمة خاصة يجعلها الله في قلوب أصفيائه، ويجعل طريق امتصاصها إقبال المريد بصدق، وتعلقه بشيخه كما يتعلق الرضيع بأمه، بمحبة وجوعة وشوق.
كان سلوك القرون الأولى سلوك مجاهدة ورياضة لها قواعدها ورجالها كما وصف كلَّ ذلك القشيري في رسالته والغزالي في إحيائه. والشيخ في سلوك المجاهدة مُرشد وصاحب في الطريق وخبير بالعلل وبركة وقدوة. بعد أن أظهر الله كبار المشايخ مثل الجيلاني والرفاعي والشاذلي من بعدهم أصبح السلوك شيئا فشيئا عن طريق الشكر. المجاهدة مُكَابَدَةٌ وصبر وصمت وعزلة وصوم وذكر وهم في الخلوات، حتى كان من المشايخ من يمنع مريده من مخالطة أحدٍ عدا شيخه. وطريق الشكر أيسر وأقرب، للشيخ و"مغناطيسيته" وبركته فيها الغناء الأول.
ونرجو من كرم من له الفضل والمنة والرحمة سبحانه أن يتصل مدد السالكين فيما يستقبلنا من زمان بحضرة النبوة فيكون السلوك جهاديا عفويا جامعا مانعا رائعا كما كان في عهد الصحابة وهم في حضن خير البرية صلى الله عليه وسلم.
أنت يا من يعتز بعلمه، ولا عمل، فإن كان عمل فلا إخلاص، أيُّ شيء بيدك تريد أن تخرِق به سدود ما بينك وبين ربك مما صنعته غفلتك ورياؤك؟ معك إبرةٌ! اسمع الجيلاني ناصِحَكَ: "يا هَوَس! تغفل! ائتوا البيوت من أبوابها، من أبواب شيوخ الفناء الذين فنوا في طاعة الله عز وجل. صاروا معانيَ، صاروا جليسي بيت القرب. صاروا أضياف الملك يُغْدى عليهم بطَبَقٍ ويراح عليهم بآخر. وتُغَيَّر أنواع الخِلَع (الأوسمة بلسان العصر)، ويَطوف بهم مملكتَه، أراضيَه وسماواتِه، أسراره ومعرفتَه. أنت من وراء حائط عرضه فرسَخٌ، ومعك إبرة. كيف لك أن تثقُبَ! القوم إذا وصلوا إلى ذلك الحائط فتح لهم ألف باب، كل باب منها يدعوهم للدخول إليه"[5].
واسمعه يقول: "هذه الطريق لا تُسْلَكُ مع النفس والهوى(...)، هذا شيء لا يجيء بِعَجَلَتِكَ. يحتاج إلى حبال ورجال وصبر ومعاناة ومجاهدة. وأن تصحب بعض ملوك المعرفة حتى يدلك ويعرِّفك ويحمل عنك ثِقلك. تمشي في ركابه، فإذا تَعِبتَ أمر بحملك، أو أردفك خلفَه، إن كنت محبا أردفك خلفه، وإن كنت محبوبا أركبك في سَرْجه وركب هو خلفك. من ذاق هذا فقد عرفه. القعود مع أهل الأهليّة نعمة ومع الأغيار المكذبين نقمة"[6].
اللهم من علينا برحمتك العظمى، واحمل عنا الأثقال، ويسر لهذه الأمة من الرّجال من يفتح للجهاد ألف باب لا كَإِبَرِ المكذبين.
قال محب حضرتهم:
لِيَكْفِكُمُ ما فيكمُ من جـوىً ألقى فمهـلا بنا مهـلا ورِفقـا بنا رِفقـا
وحُـرمةِ وُدّي لا سئمـت هـواكـم ولا رُمتُ لي منه فَكاكـا ولا عتقـا
سأزجـر قلبا رام في الـحب سَلوة وأهجره إن لم يـمت فيكمُ عشقـا

وقال متيم في هواهم:
ما نـاح في أعلـى الغصـون هـزار إلا تشــوقـت لتــلك الديــارْ
ولا سـرى مـن نحـوكم بــارقٌ إلا وأجـريت الدمــوع الغــزارْ
وا أسفــي أيـن زمـان الحِـمـى وأين هـاتيـك الليـالي القصــارْ؟
وا حرّ قلبي فمتى نلتقي؟ وتنطفي مـن داخــل القـلـب نــارْ؟
وأنظــرُ الأحـبـاب قـد واصـلـوا ويأخـذ الوصل من الهجـر ثــارْ
أقـول للنفـس أبـشــري باللقــا قد واصـل الحِـبُّ وقـرّ القــرارْ

وقلت زادني الله قربا لجنابه ورزقني محبته ومحبة أحبابه:
وا أسفي على زمـن مضــى حَسرتَا فرَّطتُ! والعُمرُ طارْ
بالَّله ضُمُّــوني لجَـمْـعِــكُــمُ أهلَ الصَّفـا فما لنا منْ قــرارْ
تُبــتُ لِـرَبّي فــأنــا ضــارِعٌ إليه يرحـمُ دمــوعي الغــزَارْ




[1] كما جاء في الحديث القدسي المذكور آنفا.
[2] الفتاوي ج 11 ص 499.
[3] بين الشريعة والحقيقة ص 29.
[4] البرهان المؤيد ص 43.
[5] الفتح الرباني ص 37.
[6] نفس المصدر ص 24. ) كتاب الإحسان.
و للصلاة على النبي صلى الله عليه دور كبير بل ترياق مجرب في الدلالة على صاحب الوقت ، أو الولي المربي . و قد ذكر أهل الله تعالى في مذكراتهم التربوية كيف كان المريد يرى في شيخه وراثة النبوة ، فيمتثل له بالأدب و الصحبة و الذلة و الطاعة في ما أمر.
وهنا معنى خطير نسال الله تعالى أن يرفعه الله من أهل الإستبداد التربوي ، أن يكون المريد في يد شيخه كالميت في يد الغسال. وهي مقولة خطيرة استغلها أحفاد الشيخ الطينيون في استعباد الخلق لشهواتهم الشخصية خصوصا بعد انتقال الولي المربي الى الله ، فيرث ابنه العصى و الخرقة و التسبيح ، مع مصائب أخرى يستغلها فإذا به يدل على الشيطان و يعبده و ليس الله ، وكم من طريقة ماتت و تلاشت بموت مربيها.
نسأل الله تعالى أن يرحمنا آمين.
avatar
عمرسعيدالحسني
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 20
العمر : 46
الموقع : www.manthoor.com
المزاج : معتدل هادئ محب للحوار
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف عمرسعيدالحسني في السبت 10 ديسمبر 2011 - 20:26

4.في الإمداد:
في الصلاة الأكبرية للإمام ابن عربي قدس الله سره ، كلمة مانعة جامعة تدل على وظيفة الخليفة ، الإمداد .
" الممد للعوالم بروحانيته " ، وهي أشارة تهتك سترا لطيفا حول الولي وماله من الكرامات الحسية و المعنوية ، وحول هذه الإشارات الغير المفهومة عند البعض، الملغومة عند آخرين اشد عنادا ، كان من خطأ أهل الله تعالى ، أن دونوا في كتبهم و مذكراتهم بعض هذه الكرامات ، حتى اعتقد البعض أن الولي رجل مقدس معصوم انتفت عليه صفة البشرية و نقائصها.و في نفس الوقت ، نجد بعض اهل الله تعالى يمنعون العوام من قراءة كتب أهل الله تعالى ، وتداول مصطلحاتهم ، و مذاكرة أحوالهم السنية.
نجد في الصلاة المشيشية عبارتي الواسطة و الموسوط، يلخصان معنى الأمداد و في نفس الوقت فعل الأستمداد الذ ي سنتحدث عليه في الفقرة التالية.
الواسطة مولانا رسول الله ، و الموسوط هو العبد المتوجه للحضرة النبوية طلبا للوجود القلبي ثم الإمداد الروحي.
يقول الولي محمد مرون في شرحه للصلاة المشيشية في هذا المعنى :
(.....معناه أنه اصل وجود كل شيء ، وكل كائن متعلق و متصل به ، و أنه المحيط بإحاطة معالم الأزلية في البطون و الظهور.
باطن الأشياء فيها سر الله تعالى ، و ظاهرها فيه سر سيدنا محمد ، ففي كل شيء ترى الله تعالى و ترى النبي ، أي في كل شيء سر الله تعالى و ترى النور المحمدي . قال الله تعالى : " أو من كان ميتا و أحيينه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس" فأحييناه بسر الله تعالى و " جعلنا له نورا " أي النور المحمدي .آ 122 سورة الأنعام
باطن الإنسان هو سر الله تعالى الذي هو القلب الذي هو بيت الرب ، و ظاهر الإنسان هو النور المحمدي الذي هو العلم و المعرفة و العقل و الذكاء و الفهم و الإلهام و البصيرة ونور البصر.....الخ.
في كل شيء ترى الله تعالى وترى النبي صلى الله عليه و سلم ، قال الشيخ مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه : ( وقد أكرمني ربي سبحانه في ابتداء أمري في حال شبابي و نحن إذ ذاك بفاس عام 1182 إذ كنت لانرى في نفسي و لا في كل شيء إلا الله تعالى لكن بنفس ما نرى الله تعالى ، نرى النبي ، و بنفس مانراه صلى الله تعالى عليه و آله وسلم نرى الله تعالى).
نعمتان يتقلب فيهما الإنسان : نعمة الإيجاد و نعمة الإمداد. نعمة الإيجاد هي سر الله تعالى ، و نعمة الإمداد هي النور المحمدي .قال رسول الله : " الله يعطي و أنا أقسم" ،الله يعطي : هذه نعمة الإيجاد. و أنا أقسم : هذه نعمة الإمداد.
نعمة الإيجاد : تيسير الأشياء كلها و تهيؤها.
نعمة الإمداد : التوفيق و التأييد و الرضى و التسليم و الحضور و المراقبة....الخ.
الشجلرة لها أصلها و أغصانها و أوراقها و ثمارها و أزهارها.من أصل الشجرة إلى أغصانها هذا سر الله ، و أما النور المحمدي فهي الأوراق و الثمار و الأزهار.) ص 53،54 من كتاب شموس الأنوار و معادن الأسرار للشيخ العارف بالله محمد المرون.
النبأ العظيم نبأ الموت ، و النبأ الأعظم ما مدى استعدادك و قابليتك لحمل أسرار الله تعالى المودعة فيك تكرما و رحمة و تشريفا.
لعل القارئ لهذه الفقرات ، لم يفهم ما معنى الإمداد المشار إليه في الصلاة الأكبرية ، و التي عبر عنه آخرون كالصلاة التي سنشرحها لا حقا " حتى أنغنس في انواره".
كلمة الممدد تعني ما يقوم به الولي العارف الوارث الغوث الختم القطب من التصرفات الكونية بإذن الله تعالى وو تأثيره في الكون بهمته ، هذه ثم نجد أمداده للسلكين الطالبين بالأنوار بفعل مهمام التربية و التزكية و التمريض، و الثالثة في اختياره لمن ينوب عليه و يحمل معه هم خذمة خلق الله تعال.
هذا المفهوم ، نضعه في أطاره ما أخبر به الأولياء من أعاجيب ، تظل كما هي ، لكننا نصحح مفهوما خاصا بالأمر ، و أن التصرف الحقيقي هو التغيير بالتأدب مع السنة النبوية ، و السنة الألهية الكونية دون طلب الكرامة. وهذا من أدب الكمل ، كما أن التصرف يقصد به غالبا حمل هم خلق الله تعالى و خذمتهم و رعاية مصالحه ليس إلا.
يقول الشيخ عبد السلام ياسين في الأمر في كتاب الإحسان : ( المعجزة للنبي والكرامة للولي. المعجزة هي "كل أمر خارق للعادة يظهر على يد مدعي النبوة عند تحدي المنكرين له، على وجه يبين صدق دعواه". هكذا عرفها علماؤنا. أما الكرامة فخارقة يظهرها الله على يد عبد مستقيم. أما إذا ظهرت الخارقة على يد كافر فاسق فهي ما يسمى بالاستدْراج.
روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثلُه آمن عليه البشر. وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي. فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة".
المعجزة آية صدق النبي، يصحب ظهورَها تحدي المنكرين وجُحودُهم للنبي، وتأتي المعجزة بِبيانها لتعضد مقالة النبي. وأعظم معجزات سيدنا محمد القرآن، تحدَّى الله عز وجل العرب والعجم والجن والإنس أن يأتوا بعشر سور من مثله، بل بسورة واحدة فعجزوا. القرآن معجزة خالدة إلى يوم القيامة، شاهدة بصدق الدعوة المحمدية، متجددة بتجدد تلاوته وحلاوته وإخباره بالمغيبات والأكوان وأسرار النفس البشرية. وما أوتيه النبيون قبل البعثة المحمدية آيات خارقة تبهر الحاضرين فيومنون بالنبي ويصدقونه في زمانهم ثم تنتهي.
ولقد أوتي رسول الله من الآيات الكونية الكثير، حتى عد العلماء نحو ألف معجزة مثل انشقاق القمر، والمعراج والإسراء، وتكثير الطعام، وتسبيح الحصا، وإبراء المرضى، ونبع الماء من بين الأصابع الكريمة، والإخبار بما كان وما يكون. وواجب المسلم أن يصدق بالمعجزات.
كما أن أصلا من أصول أهل السنة والجماعة التصديقُ بكرامة الأولياء، لايكذب بالكرامة إلا جاحد معاند، أو جاهل بدينه. والكرامات أنواع منها المكاشفات، والقدرة والتأثير في الكون، وهو ما يسميه أهل الله التصريف، أو الفعل بالهمة.
وقد كان للصحابة رضي الله عنهم كرامات كثيرة روتها لنا الأخبار الصحيحة. منها تكثير طعام أضياف أبي بكر الصديق، ومنها نزول الملائكة على أسيد بن حضير رضي الله عنه مثل السُّرُج عند قراءته سورة الكهف، ومنها تسليم الملائكة على عمران بن حصين ومصافحتُهم له، ومنها تسبيح الصحفة التي كان يأكل منها أبو الدرداء وسلمان، ومنها السراج الذي ظهر وأنار طريق عباد بن بشر وأسيد بن حضير في ليلة مظلمة، ومنها إتيان خبيب بن عدي بالعنب من الغيب عندما كان أسيرا بمكة في يد المشركين. وغير هذا كثير.
وكان للتابعين رضي الله عنهم كرامات كثيرة. غير أن ظهور الكرامات في هذه الأمة تكاثر في العهود التالية حتى أصبح "مثل المطر" حسب تعبير ابن تيمية. ذلك أن المعجزة والكرامة مؤيدات من الله عز وجل لعباده تدفعهم إلى الإيمان وتقويهم. كان إيمان أهل القرون الفاضلة الأولى قويا فكانت الكرامات فيهم لا داعي لها، فلما ضعف إيمان الأجيال اللاحقة، وأظلمت القلوب، وعميت البصائر لِفُشُوِّ البدع والضلالات أظهر الله على يد أوليائه من الكرامات ما لا يعد ولا يحصى. الكرامة تأييد من الله عز وجل للعبد الصالح الذي ظهرت على يده وتأييد لمن شهده. أما الولي الراسخ الكامل فلا يحتاج إلى ظهور الخوارق ليزداد إيمانا.
سئل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ما سبب قلة كرامات الصحابة بالإضافة إلى ما جاء بعدهم من الأولياء فأجاب بأن أولئك كان إيمانهم قويا فما احتاجوا إلى زيادة يقوى بها إيمانهم. وغيرهم ضعيف الإيمان في عصره فاحتيج إلى تقويته بإظهار الكرامة. ومثله قول الإمام السهروردي: "وخرق العادة إنما يكاشَف به لموضع ضَعْف يقين المكاشَف رحمة من الله تعالى لعباده العبّاد ثوابا معجلا، فوق هؤلاء قوم ارتفعت الحجب عن قلوبهم".
يتوق الطالب الضعيف إلى آية تظْهَر له ليتيقن من أمره، وقد يدعو ربه في ذلك فيبتلى بالإجابة أو بعدمها. يبتلى بالإجابة لأن الكرامة، وهي عطاء، قد تُلهي عن المُعطي فتكون سببا لتوقف السالك وحجابا له عن ربه. ويبتلى بعدم الإجابة ليعلم الله من يخافه بالغيب.
العبودية تقتضي من طالب الحق مريد وجه الله أن يعبد ربه ويتقرب إليه وهو في غاية الاعتراف بالضعف والتبري من الحول والقوة.طلب الكرامة يقدح في نية السالك، لأن ظهورها على يده يُكسبه سمعة وصولة، وقد تعجبه نفسه فيتهاون في الاستقامة التي هي الكرامة الكبرى.
كان رسول الله يسأله المشركون الآيات والخوارق فيجيب بما يعلِّمه الله من آداب العبودية. )قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ( (سورة الأنعام، الآية: 50). )وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً( (سورة الإسراء، الآيات: 90-93). )يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي( (سورة الأعراف، الآية: 187).
المعجزة والكرامة لحظة استثنائية في حياة النبي والولي، ما هي الأصل. الأصل إثبات الأسباب التي جعلها الله في الكون. ولو شاء الله لأنزل ملائكة رسلا، ولو شاء لأنزل من السماء آية فظلت أعناق البشر لها خاضعين. فالدعوة يبلغها نبي، أو يرعاها ويجددها ولي، مناطٌ للامتحان الإلهي الذي يميز به سبحانه الخبيث من الطيب. قاعدة الامتحان العادةُ لا خرقها. وقد جهّل الله سبحانه المشركين ووصفهم بالظلم، والظلم هو وضع الأشياء في غير مواضعها، لما قالوا: )مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً( (سورة الفرقان، الآيتان: 7-Cool.
وقد خيِّر النبي بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا فاختار أن يكون نبيا عبدا بقاء على أصل العبودية. وعرض عليه ملك الجبال، بأمر من الله تعالى، عند رجوعه من الطائف أن يطبق الأخشبين على مشركي مكة فامتنع. وكان عليه الصلاة والسلام مستجاب الدعوة، فلو شاء لقضيت حوائجه دون سبب ظاهر، لكنه كان يشبع ويجوع، وينتصر جنوده تارة ويُهزمون أخرى، وينتظر اكتمال العناصر السببية ليبدأ حركته، ويدبر حسب مجاري العادة ليكون قدوة للمسلمين في التعبد بما وضعه الله من ناموس في الكون. لم يضعه سبحانه عبثا ليتخطاه الناس، ولا يرفعه لحظة من لحظات تاريخ البشر إلا ليكون استثناء الرفع تأكيدا لأصل الإثبات.
الأصل تكسُّب العباد، ومعاناتهم للحاجة والضرورة، وتحملهم لضروب الامتحان والبلاء والقهر المفروض على بني البشر أجمعين. لو كان خرق العادة قاعدة ولم يكن رخصة واستثناء لبطلت الرسالة وبطل العمل وبطل الجهاد وبطلت الحكمة التي من أجلها خلق الله الدنيا والآخرة، والسماء والأرض،والموت والحياة.
الكرامات التي تظهر على يد الأولياء أنواع.منها ما هو من قبيل العلم والمكاشفة "بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره، وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره يقظة ومناما. وتارة بأن يعلم ما لا يعلمه غيره وحيا وإلهاما، أو إنزالَ علم ضروري، أو فراسةً صادقة، ويُسمى كشفا ومكاشفة أي كشف له عنه"[1].
هذا كلام ابن تيمية رحمه الله، وله القدم الراسخ في هذه الأمور واطلاع واسع، ومشاركة فعلية، فقد كان من المكاشفين كما سنقرأ إن شاء الله في فصل مقبل. ومعذور ابن الجوزي الذي قال عن المكاشفة إنها "كلام فارغ". وهل يشهد الإنسان الزور إن لم يكن معه من التصديق ما يتلقى به الشهادات المتواترة؟
ومن أنواع الكرامة ما هو من "باب القدرة" كما يقول ابن تيمية: "وهو التأثير، وقد يكون همة وصدقا ودعوة مستجـابة. وقد يكون من فعل الله الذي لا تأثير له فيه بحال، مثل هلاك عدوه بغير أثر منه كقوله: "من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة" و"إني لأثْأر لأوليائي كما يثأَر الليث الحرِبُ". ومثل تذليل النفوس له ومحبتها إياه"[2].
قال أبو علي الجوزجانيّ: "كن طالب الاستقامة لا طالب الكرامة. فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة".
قال الإمام السهروردي: "وهذا الذي ذكره الجوزجاني أصل كبير في الباب، وسر غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلب. وذلك أن المجتهدين والمتعبدين سمعوا بسِيَر الصالحين المتقدمين وما مُنحوا به من الكرامات وخوارق العادات، فأبداً نفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئا من ذلك. ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب، متهِما لنفسه في صحة عمله حيث لم يُكشف بشيء من ذلك. ولو علموا سر ذلك لهان عليهم الأمر فيه. فيعلم أن الله سبحانه وتعالى قد يفتح على بعض المجتهدين الصادقين من ذلك بابا. والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقينا فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا والخروج من دواعي الهوى. وقد يكون بعض عباده يكاشف بِصِرْفِ اليقين، ويُرفع عن قلبه الحجاب.ومن كوشف بصِرف اليقين استغنى بذلك عن رؤية خرق العادات، لأن المراد منها كان حصول اليقين، وقد حصل اليقين. فلو كوشف هذا المرزوق صِرف اليقين بشيء من ذلك ما ازداد يقينا"[3].
يخاف الكمل من الأولياء أن تظهر عليهم الخوارق غِيرةً على جناب الحق سبحانه أن تُنسَبَ القدرة إلى أحد غيره. الكمال في العبودية، ومظهرها ضعف العبد وفقره وانقهاره. إلا أن يكون لله عز وجل حكمة في إظهار الخوارق على يد الكامل من حيث لا يطلب، فذلك لا يقدح في رتبته.
قال الإمام الرفاعي قدس الله روحه: "أيْ أخي! أخاف عليك من الفرح بالكرامة وإظهارها. الأولياء يستترون من الكرامة كاستتار المرأة من دم الحيض. أي أخي! الكرامة عزيزة بالنسبة إلى المُكرِم، ليست بشيء بالنسبة لنا. لأن هذا الإكرام لما ورد من باب الكريم عظُم وعزَّ، وتلقته القلوب بالإجلال. ولما تحول لفظ النسبة إلى العبد هان الأمر، واستتر الكامل من هذه النسبة التي تَحَوَّلَ أمرها من باب قديم إلى باب حادث خيفة استحسان النسبة الثانية، فإن قبولها سم قاتل. كلنا عار إلا من كساه، كلنا جائع إلا من أطعمه، كلنا ضال إلا من هداه، ليس للعاقل إلا قرع باب الكريم في الشدة والرخاء"[4].
[1] فتاوي ابن تيمية ج 11 ص 313.
[2] نفس المصدر ص 314.
[3] عوارف المعارف ج 1 ص 241.
avatar
عمرسعيدالحسني
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 20
العمر : 46
الموقع : www.manthoor.com
المزاج : معتدل هادئ محب للحوار
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف عمرسعيدالحسني في السبت 10 ديسمبر 2011 - 20:26

5.في الإستمداد :
اللهم صل على سيدنا محمد و على آله وصحبه ، وبعد
أ .تمهيد:
تستقيم اللأفكار في العقل ، و تستحكم في الإنسان أن كان الفكر خليطا من المذاهب و صراعات من التيارات.
لكن العقل المؤمن لا يعرف وجهة غير وجهة واحدة وهو الوحي.و يستمد من القلب المرحوم بالله ، دقائق الفهم.و يبقى من لا استمداد له حيرانا كالكلب يلهث فمرة مع دواعي الفطرة ، و تارة أخرى مع هواه الأصم الأبكم ، وتارة مع زواجر الحق لا يستيقظ من غفلته إلا بعد أن يفتح الله عليه أبواب كل شيء ، فيختلط عليه الحق مع الباطل ، فينجذب برحمة الله تعالى الى الحق و أهله.
كتب الشيخ سعيد حوى في كتبه التربوية عن صرخة ، بل عن هم و حرقة عن الفيض و المدد المستمد من الشيوخ الكمل عبر التاريخ ، وجاء من بعده يستقصي الأمر ، و يبحث و يتحسس الحق الذي ظل ساريا بالمدد الفردي و الجماعي ، في الدوائر التربوية المغلقة و المفتوحة.و كان السؤال : اين أجد المستمد منه ؟ اين الولي ، أين المفرد ، أين الدال على الله ؟.
" الشيخ كأمام للصلاة؟" ، بل النبي صلى الله عليه وسلك كإمام للصلاة!.
كيف أصلي وراء ه صلى الله عليه وسلم وأتأدب معه ، فلا أركع حتى يركع ، و لا أسجد حتى يسجد ، و لاأقرأ حتى يقرأ ؟الأستمداد بحسب البعض هو استحضار الحضرة النبوية في كل عبادة .
سمعت ممن تذوقوا الأمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم في حياته البرزخية متفرغ لعبادة الله تعالى ، منشغل بأمر أمته ، في تربية نوابه صلى الله عليه وسلم ، ذاكر لله تعالى لا يفتر عن ذكره ، فمن أراد الخير كل الخير جعله كأمام للصلاة ، وتوجه إليه ، مستمطرا العزيز الغفار أن يوافق لسانه لسانه و ذكره ذكره و استغفاره استغفاره ، فإن وافق كان القبول و الرضى من الحضرتين الحضرة الإلهية و الحضرة النبوية .!.
كنت أن تكون هذه الفقرات خاتمة لمقدمة ، لكنها صارت مقدمة لموضوع ، كان البخل الذي لقيناه في بعض الدوائر التربوية ، و الشح في التوجيه و النصيحة ، وسمها إن شئت الأنانية وحب النفس ، من دواعي قصم الظهور ، وطرد الطالبين لوجه الله بصدق ، لكن ليس بهوى الوجهين المتصدرين للتربية عن دون علم ، سببا للبحث لمدة عشر سنوات في معنى كيف أتوجه الى الحضرة النبوية عبر الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ؟.
أقسم الله تعالى في سورة البلد ، بحرمة البلد الحرام ، ثم بحرمة حضور النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ببركة أبراهيم و أولاد ه عليهما السلام ، أن حقيقة الإنسان الأولى و الأخيرة أنه في كبد.
وقبل أن نلج باب الكبد ، يقول مولانا عبد القادر الجزائري حول حقيقة الإنسان الكامل ما يلي : ( و في الخبر أن الله خلق آدم على صورته ، فالعارف خليفة الله ، و الخليفة لا بد أن يكون ظاهرا بصورة مستخلفه ، وهي أسماؤه و صفاته .وإذا نقصه شيء من الصفات فقد نقصه من الخلافة بقدرها .و العارفون متفاوتون في هذا. و الظاهر بالصفات و الأسماء على الكمال ، هو الخليفة الكامل و لا يكون إلا واحدا في كل زمان ، وهو الأنسان الكامل. و الآنية الفريدة بالنسبة لجميع المخلوقات.فأشار الجنيد رضي الله عنه إلى أن العارف لا يعرف أنه عارف.و أن المعرفة نعته ، إلا إذا ظهر متخلقا متحققا بالأسماء و الصفات الإلهية. أعني الصفات و الأسماء التي يمكن الظهور بها في عالم الدنيا.و أما صفات الربوبية ، فأن أدب الموطن ، و هي الدار الدنيا ، يقضي بعدم الظهور بذالك من أجل حكم الحصر و القيد على صورة العارف الظاهرة المسماة عبدا لمقتضياته الذاتية اللازمة لصورته الناقصة لئلا يلزم التناقض بين حاله و مقاله.وذالك ليس من الكمال فكتمه لأوصاف الربوبية هو الكمال.) المواقف الروحية ج1/ص 66.
فرحلة الكبد المحتمة على الإنسان هو البحث عن الكمال. فحقيقته أي الإنسان النهوض من عوامل الشح و البخل و الأنانية التي جبلت عليه نفسه ، ثم كبده و شقاءه في الدنيا بالعمل ، من أجل الثمرة المرجوة الكمال القلبي العقلي أو أن شئت الكمال الإنساني ، و لا يستمد هذا الكمال إلا من حضرته صلى الله عليه وسلم لا غير..
يقول الشبيخ عبد السلام ياسين في كتابه مقدمات في المنهاج في طريق ابن آدم يتربص شيطان الجن الذي أبى السجود لآدم وحلف ليغوين بني آدم أجمعين إلا عباد اللّه المخلصين. خلق أقره اللّه عز وجل حين خاطب إبليس قائلا: "واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم"[1]. أعلمنا اللّه عز وجل أن الشيطان عدو لنا، وعلمنا كيف نتخذه عدوا، وكيف نستعيذ باللّه منه.
الشيطان له مأوى في داخل كياننا، له عش، له حلفاء. تخبث النفس حين لا تتزكى ولا تتطهر، فيجد الشيطان فيها ركنا ممهدا، أو تنجس بالكفر والنفاق فكلها ظلام وكلها مملكة إبليس، ويحالف الشيطان نوازع الشهوانية والغضبية العدوانية الأنانية في الإنسان، ويستغلها ليمارس أشغاله.
وهكذا يفتتن الإنسان من داخله بنفسه ونوازعها، وبالشيطان ونزغاته، يلتئم الصوتان ويتمازجان. ويفتتن الإنسان من خارجه، يفتنه الإنسان من بني جنسه، ويفتنه السلطان كما سنذكر بعد قليل إن شاء اللّه تعالى. وتفتنه الطبيعة باستعصائها على جهوده، وتلهيه معاناتها عما هو بصدده.
المجموع يكون الفتنة بمفهومها القرآني، البلاء كما جاء في بعض الآيات. الحياة الدنيا كلها ممر لفتنة الإنسان واختباره، أي لامتحانه. قال اللّه تعالى: "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا"[2].
نضع هذه النبذة القصيرة عن الفتنة بمفهومها القرآني جوابا عن السؤال الذي يطرحه العقل البشري: فيم كل هذا العناء؟ ولماذا الخلاف في الأرض، والحرمان والجوع؟ ولنا رجوع إن شاء اللّه تعالى، ولنتحدث عن الفتن بصيغة الجمع بالمفهوم النبوي.
بعد الشيطان فتنة الإنسان بأخيه الإنسان، صدام أنانيات، صدام عادات، صدام ذهنيات، تنافس على الرزق، خصام على المصالح.
ذلك النداء الإلهي الذي يدعوك لاقتحام العقبة قدم لك صورة كاملة عن العقبة كما قدم لك واجبك تجاه الامتناع الاجتماعي، وهو مقاومة كل مايستعبد الرقبة من تسلط مباشر أومضايقة ظالمة في الرزق، وقدم لك صورة واضحة ضمنيا عن الامتناع السياسي حين نصح لك بالانضمام للجماعة والتحزب للّه عز وجل معها لتتعاون مع المؤمنين على ممارسة الصبر وممارسة المرحمة. الصبر لمقاومة التسلط الخارجي والمرحمة لتكون لحمة التراحم والتآخي بين أفراد الجماعة المؤمنة آصرة قوة وضمان حرية لا يستطيع الفرد أن ينتزعها من السلطان.
لا حرية للإنسان إلا داخل تضامن اجتماعي يقيه طغيان الفئة المناهضة، أو طغيان الدولة.
النداء الإلهي للاقتحام لن يصل إلى سمعك بتاتا، أو لن تسمعه بالوضوح الكافي، إن كنت غارقا في الفتنة. ثم لن تستطيع تلبيته إن كانت الفتنة جاثمة في نفسك، في حياتك اليومية، في وضعيتك الاجتماعية السياسية الاقتصادية. ووجود الفتنة المتعددة الوجوه، فتنة الشيطان والإنسان والسلطان عامل إحياء، فلولا الفتنة لكانت الحياة الدنيا ركودا، ولما كان أي معنى ولا أية ضرورة للجهاد، ولا للعمل أي حق في أن يوصف بالصلاح، ولا للجزاء في الدار الآخرة مكان. لو كانت الدنيا جنة، والناس ملائكة، لم يكن معنى ولا وجود ولا داع للحرية واقتحام العقبة إليها، إذ لا وجود عندئذ لعقبة أساسا. ) فقرة الشيطان و الأنسان و السلطان، مقدمات في المنهاج.
نسال الله أن يرحمنا آمين
avatar
عمرسعيدالحسني
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 20
العمر : 46
الموقع : www.manthoor.com
المزاج : معتدل هادئ محب للحوار
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف عمرسعيدالحسني في السبت 10 ديسمبر 2011 - 20:27

5.في الإستمداد :
اللهم صل على سيدنا محمد و على آله وصحبه ، وبعد

تستقيم اللأفكار في العقل ، و تستحكم في الإنسان أن كان الفكر خليطا من المذاهب و صراعات من التيارات.
لكن العقل المؤمن لا يعرف وجهة غير وجهة واحدة وهو الوحي.و يستمد من القلب المرحوم بالله ، دقائق الفهم.و يبقى من لا استمداد له حيرانا كالكلب يلهث فمرة مع دواعي الفطرة ، و تارة أخرى مع هواه الأصم الأبكم ، وتارة مع زواجر الحق لا يستيقظ من غفلته إلا بعد أن يفتح الله عليه أبواب كل شيء ، فيختلط عليه الحق مع الباطل ، فينجذب برحمة الله تعالى الى الحق و أهله.
كتب الشيخ سعيد حوى في كتبه التربوية عن صرخة ، بل عن هم و حرقة عن الفيض و المدد المستمد من الشيوخ الكمل عبر التاريخ ، وجاء من بعده يستقصي الأمر ، و يبحث و يتحسس الحق الذي ظل ساريا بالمدد الفردي و الجماعي ، في الدوائر التربوية المغلقة و المفتوحة.و كان السؤال : اين أجد المستمد منه ؟ اين الولي ، أين المفرد ، أين الدال على الله ؟.
" الشيخ كأمام للصلاة؟" ، بل النبي صلى الله عليه وسلك كإمام للصلاة!.
كيف أصلي وراء ه صلى الله عليه وسلم وأتأدب معه ، فلا أركع حتى يركع ، و لا أسجد حتى يسجد ، و لاأقرأ حتى يقرأ ؟الأستمداد بحسب البعض هو استحضار الحضرة النبوية في كل عبادة .
سمعت ممن تذوقوا الأمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم في حياته البرزخية متفرغ لعبادة الله تعالى ، منشغل بأمر أمته ، في تربية نوابه صلى الله عليه وسلم ، ذاكر لله تعالى لا يفتر عن ذكره ، فمن أراد الخير كل الخير جعله كأمام للصلاة ، وتوجه إليه ، مستمطرا العزيز الغفار أن يوافق لسانه لسانه و ذكره ذكره و استغفاره استغفاره ، فإن وافق كان القبول و الرضى من الحضرتين الحضرة الإلهية و الحضرة النبوية .!.
كنت أن تكون هذه الفقرات خاتمة لمقدمة ، لكنها صارت مقدمة لموضوع ، كان البخل الذي لقيناه في بعض الدوائر التربوية ، و الشح في التوجيه و النصيحة ، وسمها إن شئت الأنانية وحب النفس ، من دواعي قصم الظهور ، وطرد الطالبين لوجه الله بصدق ، لكن ليس بهوى الوجهين المتصدرين للتربية عن دون علم ، سببا للبحث لمدة عشر سنوات في معنى كيف أتوجه الى الحضرة النبوية عبر الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ؟.
أقسم الله تعالى في سورة البلد ، بحرمة البلد الحرام ، ثم بحرمة حضور النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ببركة أبراهيم و أولاد ه عليهما السلام ، أن حقيقة الإنسان الأولى و الأخيرة أنه في كبد.
وقبل أن نلج باب الكبد ، يقول مولانا عبد القادر الجزائري حول حقيقة الإنسان الكامل ما يلي : ( و في الخبر أن الله خلق آدم على صورته ، فالعارف خليفة الله ، و الخليفة لا بد أن يكون ظاهرا بصورة مستخلفه ، وهي أسماؤه و صفاته .وإذا نقصه شيء من الصفات فقد نقصه من الخلافة بقدرها .و العارفون متفاوتون في هذا. و الظاهر بالصفات و الأسماء على الكمال ، هو الخليفة الكامل و لا يكون إلا واحدا في كل زمان ، وهو الأنسان الكامل. و الآنية الفريدة بالنسبة لجميع المخلوقات.فأشار الجنيد رضي الله عنه إلى أن العارف لا يعرف أنه عارف.و أن المعرفة نعته ، إلا إذا ظهر متخلقا متحققا بالأسماء و الصفات الإلهية. أعني الصفات و الأسماء التي يمكن الظهور بها في عالم الدنيا.و أما صفات الربوبية ، فأن أدب الموطن ، و هي الدار الدنيا ، يقضي بعدم الظهور بذالك من أجل حكم الحصر و القيد على صورة العارف الظاهرة المسماة عبدا لمقتضياته الذاتية اللازمة لصورته الناقصة لئلا يلزم التناقض بين حاله و مقاله.وذالك ليس من الكمال فكتمه لأوصاف الربوبية هو الكمال.) المواقف الروحية ج1/ص 66.
فرحلة الكبد المحتمة على الإنسان هو البحث عن الكمال. فحقيقته أي الإنسان النهوض من عوامل الشح و البخل و الأنانية التي جبلت عليه نفسه ، ثم كبده و شقاءه في الدنيا بالعمل ، من أجل الثمرة المرجوة الكمال القلبي العقلي أو أن شئت الكمال الإنساني ، و لا يستمد هذا الكمال إلا من حضرته صلى الله عليه وسلم لا غير..
يقول الشبيخ عبد السلام ياسين في كتابه مقدمات في المنهاج في طريق ابن آدم يتربص شيطان الجن الذي أبى السجود لآدم وحلف ليغوين بني آدم أجمعين إلا عباد اللّه المخلصين. خلق أقره اللّه عز وجل حين خاطب إبليس قائلا: "واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم"[1]. أعلمنا اللّه عز وجل أن الشيطان عدو لنا، وعلمنا كيف نتخذه عدوا، وكيف نستعيذ باللّه منه.
الشيطان له مأوى في داخل كياننا، له عش، له حلفاء. تخبث النفس حين لا تتزكى ولا تتطهر، فيجد الشيطان فيها ركنا ممهدا، أو تنجس بالكفر والنفاق فكلها ظلام وكلها مملكة إبليس، ويحالف الشيطان نوازع الشهوانية والغضبية العدوانية الأنانية في الإنسان، ويستغلها ليمارس أشغاله.
وهكذا يفتتن الإنسان من داخله بنفسه ونوازعها، وبالشيطان ونزغاته، يلتئم الصوتان ويتمازجان. ويفتتن الإنسان من خارجه، يفتنه الإنسان من بني جنسه، ويفتنه السلطان كما سنذكر بعد قليل إن شاء اللّه تعالى. وتفتنه الطبيعة باستعصائها على جهوده، وتلهيه معاناتها عما هو بصدده.
المجموع يكون الفتنة بمفهومها القرآني، البلاء كما جاء في بعض الآيات. الحياة الدنيا كلها ممر لفتنة الإنسان واختباره، أي لامتحانه. قال اللّه تعالى: "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا"[2].
نضع هذه النبذة القصيرة عن الفتنة بمفهومها القرآني جوابا عن السؤال الذي يطرحه العقل البشري: فيم كل هذا العناء؟ ولماذا الخلاف في الأرض، والحرمان والجوع؟ ولنا رجوع إن شاء اللّه تعالى، ولنتحدث عن الفتن بصيغة الجمع بالمفهوم النبوي.
بعد الشيطان فتنة الإنسان بأخيه الإنسان، صدام أنانيات، صدام عادات، صدام ذهنيات، تنافس على الرزق، خصام على المصالح.
ذلك النداء الإلهي الذي يدعوك لاقتحام العقبة قدم لك صورة كاملة عن العقبة كما قدم لك واجبك تجاه الامتناع الاجتماعي، وهو مقاومة كل مايستعبد الرقبة من تسلط مباشر أومضايقة ظالمة في الرزق، وقدم لك صورة واضحة ضمنيا عن الامتناع السياسي حين نصح لك بالانضمام للجماعة والتحزب للّه عز وجل معها لتتعاون مع المؤمنين على ممارسة الصبر وممارسة المرحمة. الصبر لمقاومة التسلط الخارجي والمرحمة لتكون لحمة التراحم والتآخي بين أفراد الجماعة المؤمنة آصرة قوة وضمان حرية لا يستطيع الفرد أن ينتزعها من السلطان.
لا حرية للإنسان إلا داخل تضامن اجتماعي يقيه طغيان الفئة المناهضة، أو طغيان الدولة.
النداء الإلهي للاقتحام لن يصل إلى سمعك بتاتا، أو لن تسمعه بالوضوح الكافي، إن كنت غارقا في الفتنة. ثم لن تستطيع تلبيته إن كانت الفتنة جاثمة في نفسك، في حياتك اليومية، في وضعيتك الاجتماعية السياسية الاقتصادية. ووجود الفتنة المتعددة الوجوه، فتنة الشيطان والإنسان والسلطان عامل إحياء، فلولا الفتنة لكانت الحياة الدنيا ركودا، ولما كان أي معنى ولا أية ضرورة للجهاد، ولا للعمل أي حق في أن يوصف بالصلاح، ولا للجزاء في الدار الآخرة مكان. لو كانت الدنيا جنة، والناس ملائكة، لم يكن معنى ولا وجود ولا داع للحرية واقتحام العقبة إليها، إذ لا وجود عندئذ لعقبة أساسا. ) فقرة الشيطان و الأنسان و السلطان، مقدمات في المنهاج.
يلعب السلطان في حياة السالك دورا مهما في تحديد وجهته و قصده ، فإما أن يكون مفتقرا ذليلا لسلطان خالقه ، متقلبا في قبضته لا يرى في وجوده سوى ذلك الأفتقار الدائم لرحمة الله تعالى ، و الشغف للقاءه و الوقوف في بابه ، فيتحكم فيه سلطان الشوق ، و ترد عليه بواده الإشارات تدله على الطريق.
و إما يستأثر به الالسلطان الأبليسي فإذا به يتنكب عن الطريق و يستدرج في متاهات الهوى و النفس و الشيطان.
لا تكاد تجد فيمن يسير على طريق الحق من يدلك بصدق عن سر السلوك إلا القليل، و غالبا ما يضع المربي و ليده على شفا الطريق ، ثم يدله على العمل السني ، و الإلتزام الوقتي المكاني ، ثم يتركه في منازلاته نفسه ، إلى أن تلوح علامات الإرادة .بمعنى أصح ، المريد و المراد.أو وحدة الذكر و الذاكر والمذكور، أحاط الله تعالى في سابق علمه على أن العبد الجامع الدال عليه ، يذكر ربه لا يفتر عنه ، فإن غفل جائت عناية الله به أن قم و استيقظ و تنبه فالطريق من هنا ، و الرحمة الجامعة لفضائل القرب و الزلفى أسها : متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم في كل شيء.
1.نور المراد :
يقول ابن عربي رحمه الله في كتابه الفتوحات المكية : (.......أعلموا أن المراد في اصطلاح القوم هو المجذوب عن إرادته مع تهيؤ الأمور له ، فهو يجاوز الرسوم و المقامات من غير مشقة بل بالتذاذ و حلاوة و طيب نفس تهون عليه الصعاب و شدائد الأمور.)ص 513/م2.
من أجل الأستمدادات من الجناب النبوي الشريف ، أنجذاب العبد إلى المرد ، ويقصد به إرادة وجه الله مع وجود سبق العناية ، أو التهييئ عن طريق ملازمة الحضرة النبوية ، توجها تضمحل في الرسوم و المقامات و العبارات و الإصطلاحات.بمعنى حضور قلبي في كل حين ألى المراد العالي.
وقد ألح أهل الله تعالى على هذا الأمر في مذكراتهم ، وو ضعوا للمراد ونوره أي المجذوب أحكاما و أحوالا سيجت بلجام الشريعة فلا يقبل منه إلا ما كان في حضوره العقلي ن لاغير. وتترك شطحاته لحين الصحو و اندثار السكر عنه.
و أجل ما يجده هذا العبد ، هو الحضور السني المشرق في العقل و الجسد و الروح ، فتصير ذاته تتقلب في الأقتداء لا تزيغ منه ، وهذا أرفع المقامات يلا شك، أن يمون الحبيب صلى الله عليه وسلم حاضرا في كل فعل .
يقول الشيخ عبد السلام ياسين حول سياج علم الشريعة قائلا : (إن المتقدسين بالعزلة عن دنس الدنيا، المتنزهين عن مخالطة الغافلين، الذاكرين الله كثيرا في الخلوات، كانوا عرضة للخطإ والزيغ من جهات لا يتعرض لها عامة الناس. كانت لهم أذواق تلْطُف أن يُلِمّ بها الخيال، أو يحوم حول حماها كثيف المقال. والأذواق والكشف تخطئ كما يخطئ الرأي، بل يجد الشيطان والهوى منهما مدخلا ليستحوذا على هواجس النفس ويكدرا خواطر القلب. لذا كان مُعوَّل أئمة الصوفية على سياج الشريعة يحوطون به تلامذتهم، ويذكِّرون ويبصِّرون. إذ لا عاصم من الزيغ العامد والخطإ غير الراشد إلا معيار التقوى وتعليم الهدى. وما زال أئمة التربية يوصون بحفظ الشرع والوقوف عند الأمر والنهي تلامذتهم المُقدمين على خوض لُجّة الرياضات وسلوك فجاج الخلوات.
كان أبو سعيد الخراز يقول: "كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل". ويقول الإمام الجنيد: "علمنا هذا مشتبك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم". ويقول: "سمعت أبا سليمان الداراني يقول :ربما تقع في نفسي النكتَةُ من نُكتِ القوم (يعني الذوق من أذواقهم) أياماً، فلا أقبل منها إلا بشاهدين عدلين: الكتابِ والسنةِ". ويقول أبو يزيد البسطامي: "لو نظرتم إلى رجل أُعطِيَ من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود". ويقول سري السقَطِيُّ: "من ادعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو غالط". ويقول أبو بكر الشفاف: "من ضيع حدود الأمر والنهي في الظاهر حرم مشاهدة القلب في الباطن". ويقول الجريري: "أمْرُنا هذا مجموع كله على فضل واحد، وهو أن تلزم قلبك المراقبة ويكون العلم على ظاهرك قائما". ويقول أبو جعفر: "من لم يَزِن أقواله وأفعاله وأحواله بالكتاب والسنة ولم يتهم خاطره فلا تعُدَّه في ديوان الرِّجال".) كتاب الإحسان.
لا ينفع السكر و دقائق فهومه صاحبه إن لم يقف عند الشرع!.
لا يستقيم العبد على جادة الأمر و صلاحه إن لم يكن كتوما لأسرار الطريق ، يقول الشيخ في نفس الكتاب ، في فقرة الإرادة و الهمة و العزم : (قال شيخ الإسلام ابن القيم في تفصيل الإرادات والهمم: "لذّة كل أحد على حسب قدْره وهمته وشرف نفسه. فأشرف الناس نفسا، وأعلاهم همة، وأرفعهم قدرا، من لذّته في معرفة الله، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه. فلذته في إقْباله عليه، وعكوف همته عليه. ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله، حتى تنتهي إلى من لذته في أخس الأشياء من القاذورات والفواحش في كل شيء من الكلام والفعال والأشغَال"[1].
وصنف الإمام الغزالي إرادات الناس وتعلُّقَها بالمطلوبات والمحبوبات، من لعب الأطفال، يرى الأطفال أن اللعب أعظم اللذات، إلى لذة البطن والفرج عند الكبير، إلى لذة العلم في عمر النضج، إلى لذة الرئاسة لمن نَالَهَا بالسيف أو القلم. ويشير الغزّالي من طَرْف خَفِيٍّ إلى قصته حين زهد في الرئاسة وخرج يبحث عن الدليل إلى الله فسخر منه الساخرون. قال: "وكما أن الصبي يضحك على من يترك اللعب ويشتغل بملاعبة النساء وطلب الرئاسة، فكذلك الرؤساء يضحكون على من يترك الرئاسة ويشتغل عنها بمعرفة الله تعالى. والعارفون يقولون: )إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ".(سورة هود، الآيتان: 38–39)
من الإرادات من زادُها العَوَز، ومن الهمم مَن طبعها الخَوَرُ. كان لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز نفس تواقة عالية. قال لمولاه مزاحم وقد تعجب مزاحم من زهد مولاه الذي كان في شبابه متوسعا في المعايش فلما ولي أمر المسلمين ضرب لمن بعده مثلا خالدا : "ويحك يا مزاحم! لا يكثرن عليك شيء صنعته لله، فإن لي نفسا توّاقة، لم تَتُقْ إلى منزلة فنالتها إلا تاقت إلى ماهو أرفع منها، حتى بلغت اليوم المنزلة التي ما بعدها منزلة. وإنها اليوم قد تاقت إلى الجنة".
هذا التوقان المجيد إلى الجنة حُداءٌ تترنم به النفوس الطيبة. وهناك التوقان الأعظم، الشوق إلى رب الجنة والنار، والسعي إليه والعجلة إليه على أجنحة الهمم الطيارة. ما تحدث ابن عبد العزيز عن هذه المرتبة، وكانوا في القرون الثلاثة الفاضلة كتومين لمواجيدهم وأشواقهم. ولله همم أولياء الله الذين حَدَوْنا وتحدّونا بالإخبار عن إراداتهم الشامخة ومطالبهم السامية. جزاهم الله عنا أفضل الجزاء، فسروا لنا بمثالهم وقصة حياتهم معاني القرآن حين ينادي "سابقوا"، "سارعوا"، ومعاني "من تقرب إلي شبرا تقربت إليه باعا" الوارد في الحديث القدسي. همم صوارم! ).كتاب الأحسان ج/2.
نسأل الله تعالى أن يرحمنا آمين
avatar
عمرسعيدالحسني
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 20
العمر : 46
الموقع : www.manthoor.com
المزاج : معتدل هادئ محب للحوار
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف عمرسعيدالحسني في السبت 10 ديسمبر 2011 - 20:27

.في نور المريد:
اللهم صل على سيدنا محمد و على آله و صحبه ، وبعد

غالبا ما يقصد أهل الله تعالى بالمريد المنقطع إلى الله تعالى المؤثر جناب الله الساعي في محاب الله ومراضيه ، و قد يطلقونها بإزاء المتجرد عن أرادته ، و أعظم مراتب المريد عندهم و عند لمحققين أن يكون نافذ الإرادة لا عن كشف ، فأن كان عن كشف فليس بمريد و إنما هو عالم بما يكون ، هكذا يحدد الشيخ الأكبر قدس الله سره معنى كلمة المريد.
و يقصد بنور المريد ، ذلك القصد السني ، و الفعل السني ، كيف يكون قدم المريد على قدم الحبيب صلى الله عليه وسلم ؟.
كيف يستمد منه العلم ؟
والفهم و الحكمة و الرشد؟
يتجرد القلب للمنى ، و يستمد منه العقل ذالك النور المستمد ، فيكون حاضرا ظاهرا في كل دقائق النور النبوي ، لا يرى غيره.في حركاته و سكناته، في خلواته و جلواته.
منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ، ما من آية في القرآن إلا وكانت في دلالاتها القريبة أو البعيدة ، إلا و تدل على النبي صلى الله عليه وسلم.ما من توجيه رباني إلا و كانت فيه دعوة صريحة إلى الصحبة ، و دلالة على المعنى الغائي للإنسان ، الأستمداد و الأمتداد؟
يمتد النور النبوي من الفرش الى العرش ، ومن العرش إلى الفرش ، في انقطاع تام عن الغافلين ، لكنه في اتصال دائم مع من تشربوا معنى الصلاة ، الصلاة التي هي غيب في لفظها و فهمها وكنهها ، منها يكون الأستمداد ؟ لكن كيف يستمد العبد من نور ها أن لم يمن له امتداد ، بمعنى كيف أصلي على النبي صلى الله عليه وسلمه ، لتنطبع في روحي صورته الخيالية في خيالي المنفصل ، ثم تكون في قلبي خيالا متصلا بنورها الأصلي؟.
يقول الشيخ الأكبر في كتابه الفتوحات حول الهمة : ( ...نريد بباطن المعتقد كون الله هو الفاعل للأشياء لا أثر فيها لهمة مخلوق و لا لسبب ظاهر و لاباطن ، لعلمه بأن الأسباب أنما جعلها الله ابتلاء لتمييز من يقف عندها ممن لا يرى وقوع الفعل إلا بها ممن لايرى ذالك، و يرى فعل الله من ورائها عندها لابها.
اعلم أن الهمة يطلقها القوم بأزاء تجريد القلب للمنى ، و يطلقونها بإزاء أول صدق المريد ،، و يطلقونها بإزاء جمع الهمم بصفاء الإلهام فيقولون :
الهمة على تلاث مراتب : همة تنبه ، همة إرادة ، وهمة حقيقة.) الفتوحات المكية ، ص 515، ج2.
avatar
عمرسعيدالحسني
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 20
العمر : 46
الموقع : www.manthoor.com
المزاج : معتدل هادئ محب للحوار
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف عمرسعيدالحسني في السبت 10 ديسمبر 2011 - 20:27

.في نور الصحبة :
يستطرد أهل الله تعالى في استنباط حقائقهم من الحضور النبوي ، في صلاتهم الممتدة المستمده من جماله صلى الله عليه وسلم ، وتختلف من ولي لآخر ، كالنحل تسلك سبل ربها ذللا ، فتختلف العبارات و الصيغ والمعاني ، لكنها تظل كالعسل المصفى ، شراب فيه شفاء للناس.
للمريد والمراد و لعين المراد وجهة ، نور الصحبة، وهي من الأسس الجلية في فهم أهل الله تعالى لمعراجهم الروحي.
كلهم خذام الحوزة النبوية ، صلى الله عليه وسلم ، وعلى العباد الذين اصطفاهم لتلك المهمة، يسقط التنازع عن لقب الخليفة و الوارث و الكامل و المتبع و المقدم تلقائيا أن تحسس الخصوصية ، التي غالبا يبالغ فيها المريد ، ويستحيي منها أدب الخاذم الراجي للقبول خوفا من سلب الخذمة.
وغالبا ما يتحسس الذكي اللبيب منهم في تنبيهه للمريد والفقراء بضرورة احترام بركات غيره، لكن هي زلة لا محيص منها ، ان يحب الوريد شيخه الى درجة الجنون .فإن جاءه إنذار نبوي ، أو تنبيه ممن يوليه الأمتداد و الأستمداد و دوام الإستحضار ، ثقل عليه الأمر ، وكأنه جبل يندك صعقا لهول ما يتلقاه.
نسأل الله أن يرحمنا آمين.
3.في نور الصحبة :
في الخطاب القرآني ، إشارة في سورة البلد ،إلى حرمة البلد الحرام و حرمة من يطئ الأرض الحرام صلى الله عليه وسلم ، وحرمة من ولد من صلب أبراهيم عليه و السلام ، وذريته التي حلت و مكتث في البلد الآمن ببركة دعائه عليه السلام.
مامن عبادة إلا و تجتمع فيها عناصر المكان و الوقت و النبع أو المعين الذي أرتشف منه المدد الفائض.
الوقوف الزماني ، و الوقوف المكاني ، ثم الوقوف القلبي استعدادا للثمرة المرجوة ، فكيف يكون حضوري في الوقت مرهونا بقصدي المكان بتقصي القبلة ، ثم أين أضع قلبي ومن أهبه له استعدادي ، لأكون محلا للنور ؟ ثم كيف أقف في هذه الحضرات مستعطفا المولى جلاله ، بأن يوفق لساني تمام الموافقة للذكر النبوي الذي لا ينقطع في عالم البرزخ؟.
أيكون ذكري لذكره صلى الله عليه وسلم فاستشعر أنه الذاكر الحقيقي وأنا المتبع راجي القبول؟
أم أكون الذاكر الغافل عن ما يفعل و لا يستشعر مدده من الحضرة النبوية؟.
في نور الصحبة ، و في حياضها يكون الولي المربي حاضرا ينبه لهذا الأمر ، يسمع المريد الإتباع فيجرده عن المعنى و يبقى اللفظ.
وما وراء اللفظ ، أمر آخر ، ومابع الإستحضار شيء أجل؟.
أنك غائب عن نفسك حاضر به ، وأنك شاهد على شهوده قبل أن يرتد إليه بصرك في لقاءه اليومي ؟ صلى الله عليه وسلم يتعهدك إن علمت حقيقة أن ذكرك مجرد فعل لسان ، لكن في عمق الأمر أنت ذليل تطلب العطف لعله يسدد ذكرك ، فيوافق فعلك فعله صلى الله عليه وسلم ، فتحضر في حضوره ، وتنعم في رحمته و رأفته فتكون في حوزته صلى الله عليه مصاحبا فعلا وقولا ، وذكرا.
ومن الأولياء من يتذلل في حضرته صلى الله عليه وسلم لكيلا ينقطع مدده ، فيكون ذله منا وعطاءا من الله ، وتعهدا من الجمال النبوي صلى الله عليه وسلم.
ومن الأولياء من يتخذ من العبارة النبوية ملاذه الأول و الأخير ، فلا يلتفت عنها ليجد حقا أن الأيام كلها أعياد ، مادام يصلي عليه صلى الله عليه وسلم ، ليدخل مع الله تعالى وملائكته و الكون كله في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي لا تنقطع أبد الدهر.
و لضعف العباد في الإقتداء بالسنة النبوية فعلا و قولا و علما وعملا ، ولرأفة الله بنا ، و لنصحه صلى الله عليه وسلم جعل الله تعالى الصلاة عليه صلى الله وسلم مأوى الضعفاء و المساكين و الحائرين الذين لايقوون على مشاق الطريق ، فكان الأمر الإلهي في سورة الأحزاب إخبارا وأمرا ، صلوا عليه ايها المؤنمون ،وحتلى لو صليتم فإنكم لا تعلمون كنه الصلاة و حقيقتها ، ولجاه هذا النبي صلى الله عليه وسلم ، أتكرم بدعائكم عليكم فأكون من أصلي عليه صلى الله عليه وسلم ، لعلمي بمقامه و قدره العظيم الغائب عنكم؟.
رحمة وأي رحمة و عطاء أي عطاء؟.
لكن البخل اليومي ، سمة الخاص و العام؟ نسأل الله العافية.
avatar
عمرسعيدالحسني
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 20
العمر : 46
الموقع : www.manthoor.com
المزاج : معتدل هادئ محب للحوار
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف عمرسعيدالحسني في السبت 10 ديسمبر 2011 - 20:28

8.في نور المعرفة : ( مقدمة)
تتفرد سائر العبادات بنورانيات خاصة كالصيام لما فيه من السمو و الرفعة عن كل محسوس ، و تتميزالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بكونها ليست مقيدة بزمان محدد و بإذن عام وخاص ، بل عبادة كلية جامعة تمد صاحبها بأنوار عدة ، منها ما يصقل الروح ومنها ما يباشر الجنان ، و يتزايل صاحبها و المستغرق فيها بنور معرفة خاصة ، خاصة به صلى الله عليه وسلم ، و بنور فهم خاص للوحي.
ذلك أن الحبيب صلى الله عليه و سلم بحسب بعض الأولياء يتجلى للأولياء و خذامه صلى الله عليه وسلم و للكون في أكثر من ثلاثين ألف صورة و تجلي ، بل أكثر.وفيتجلياته صلى الله عليه و إمداداته للسالكين يمدهم بالمعرفة و نورها و هي الحكمة و الرشد و سلوك طريق السنة و الإمتثال لمنهاجه و فهمه و كيفية تطبيقه للوحي وما أوحى الله عليه.بل يزيدهم فهما خاصا للنقل فتأتي فهومهم كالدرر و النجوم.
يقول مولانا عبد القادر الجزائري في مسالة قابليات الإنسان للسلوك و المعرفة ....كل إنسان من حيث إنسانيته و حقيقته مستعد بالإستعداد الكلي إلى ظهور الصورة الإلهية فيه ، و لكن قد تتوقف حصول هذا التجلي المستعد له بالإستعداد الكلي على رفع موانع و حصول شرائط كما قلنا فخوض السالك لطريق الله أهل الله تعالى في الرياضيات النفسية و المجاهدات البدنية ومعانقة الآداب الشرعية لرفع الموانع الطبيعية ، و الإقتضاءات الشهوانية النفسية ، و تحصيل الشرائط بتصفية محل التجلي وتنويره بالأذكار ، ومواصلة الإعتبار ، والتعرض لنفحات الحق تعالى بالسحار ، هو الإستعداد الجزئي العرضي ، وهذا ما يذكره بعض الأكابر ، وهو أن المرآة من حيث هي مرآة ، لها قابلية لأن ينظر الملك فيها وجهه ، و ليس لها استعداد لأن ينظر فيها وجهه، إلا إذا كانت محلاة بأنواع الجواهر ، مزينة بالحلي الفاخر ، فعبر بالقابلية عن الإستعداد الكلي الذاتي ، و بالإستعداد عن الأستعداد العرضي الجزئي ، والإستعدادات الكلية الذاتية غير وجعولة ، فلا توصف بالخلق ، فلهذا فهي لا علىة لها و لا يقال لها لم؟) ...ص 34.35/ج2 من المواقف الروحية.
فكل إنسان من حيث أنسانية كان له استعداد فطري مطلق لتلقي العلوم و الأسرار بعد منازلة نفسه و تصفيتها من حظ الشيطان فيها . و القلب بيت الرب و مقامه فعلى قدر وله القلب بربه و استعطافه الروحي في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تتصل الروح بممدها و القلب بخالقه و يستقبل العقل المعرفة الكاملة التامة به صلى الله عليه وسلم.
نقف مع الولي الأكبر مولانا ابن عربي في تعريف المعرفة فنجده يقول : ( ......اعلم أن المعرفة نعت إلهي لا عين لها في السماء الإلهية من لفظها ن و هي أحدية المكانة لا تطلب إلا بالواحد ، و المعرفة عن القوم محجة ، فكل علم لا يحصل إلا عن عمل و تقوى و سلوك فهو معرفة لأنه عن كشف محقق لا تدخله الشبه ، بخلاف العلم الحاصل عن النظر الفكري لا يسلم أبدا من دخول الشبه عليه و الحيرة فيه و القدح في الأمر الموصل إليه.و اعلم أنه لا يحصل العلم لأحد إلا لمن عرف الأشياء بذاته ، وكل من عرف شيئا بأمر زائد على ذاته فهو مقلد لذلك الزائد فيما أعطاه ، وما في الوجود من علم الأشياء بذاته إلا واحد ....... الفتوحات المكية ص 294/م2.
و بعد أن تقرر ما ما ذكرناه يقول ابن عربي رضي الله عته أن المعرفة هي العلم بالشيء وهي تنحصر في سبع علوم نذكرها دون التفصيل فيها و هي :
1. علم الحقائق وهو العلم بالسماء الإلهية.
2.العلم بتجلي الحق في الشياء.
3. العلم بخطاب الحق عباده المكلفين بألسنة الشرائع.
4.علم الكمال و النقص في الوجود.
5.علم الإنسان نفسه من جهة حقائقه.
6.علم الخيال و عالمه المتصل و المنفصل.
7.علم الأدوية و العلل.
وهي علوم كان للحبيب صلى الله عليه وسلم باعتباره المتفرد الكامل عتالي الشاو فيها ببركة الوحي و النخصيص الإلهي ن وينال كل البعض منها بحسب مرتبته و سلوكه ، ويرثها بالوراثة إذنا و تسليكا كل من رشحه الله تعالى بسابقته لهذا المقام المصطفوي العالي بالله .قول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه مقدمات المنهاج : (....وأستعمل الكلمتين استعمالا خاصا محدودا. فأقصد بالرحمة العلاقة القلبية للعبد بربه، وأقصد بالحكمة تصرف العقل، عقل المؤمن المرحوم، أثناء فهمه لشريعة الله عز وجل، وأثناء صياغتها صياغة قابلة للتطبيق، وأثناء السهر على تنفيذ أوامرها والامتناع والزجر عن نواهيها.
الرحمة ما جاء من الله تعالى للعبد هداية كبعث الرسل إليه، والرحمة تعلق القلب بتلك الهداية، والاستمساك بعروتها حتى تنور كيانه ويتمكن في محبة الله عز وجل، تلك المحبة التي تؤدي للعمل والجهاد : ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يات الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المومنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ [1]
أقصد بالحكمة "معرفة الدين والعمل به" كما فسر الكلمة الإمام مالك رحمه الله. قال ابن قتيبة : "الحكمة عند العرب العلم والعمل". والعلم والعمل آلتهما العقل. فإما عقل مصدر معرفته التجربة البشرية والتخمين الفلسفي وذاك عقل مشترك بين البشر. وإما عقل يتلقى عن القلب رحمة الإيمان وهداية الوحي، ثم ينصرف إلى تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى في الكون، لا غنى له عن التجربة والفحص، فذاك عقل الحكمة.
الرحمة قلبية، والحكمة عقلية راجعة في معرفة الأهداف والغاية إلى الوحي، آخذة بالتجربة التي تمكن الإنسان من ضبط حركة الكون والسيطرة على تفاعلاته ليتسنى له تطبيق الشرع. ) كتاب مقدمات المنهاج ، طبعة 1990.
من التجديد في الفهم ، ربط الإرادة بالفهم السليم ، وترتيب العمل السلوكي وفق حكمة علمية و رحمة قلبية ، وهي حقا من اسس المعرفة الأحسانية إن صح التعبير ، ذالك أن السلوك النبوي كان في حكمة بالغة مؤيدة بالوحي و التوجيه الرباني في الأحداث .أما التابعين على منواله و نهجه صلى الله عليه و سلم يتوجب عليهم طلب المقامات العالية بالله الأحسانية علهم يستمدون منه تلك الحكمة.
في البداية فضل الله وكرمه وعطاؤه لخلقه. خلق سبحانه وتعالى الإنسان فسواه، وقدره وقدر له فهداه. ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك. في أي صورة ما شاء ركبك ؟ ﴾ (سورة الإنفطار، الآيات : 6-Cool.
فضله وعطاؤه وخلقه وتعديله وتعيينه للصورة والوقت وظروف بروزك يا إنسان من عالم العدم إلى دنيا الوجود ثم يحييك ويميتك ويبعثك وينشرك ويحاسبك ويجزيك ويعفو ويغفر إذ هو الغفور الرحيم، أو يعاقب إذ هو شديد العقاب.
وأنت يا إنسان مكلف بالعمل، مسؤول عنه، مخلوق عملك.
تناقض أول في نظر العقل القاصر، وبلاء وشدة.
ويصيب العقل المسلم عاهة ازدواج النظرة عندما لا يتطابق إدراك البصر العقلي المنطقي مع بصيرة القلب الإيمانية فتنحرف ذات اليمين وذات الشمال عقيدتا الجبر والقدر اللتان شغلتا المسلم ولا تزالان.
يتساءل القاصر المنحرف الذي لم يقبل بطمأنينة الإيمان تزامن نقيضين عقليين وتراكبهما وتواردهما على محل واحد.
ويقبل العقل المومن المفتوح العينين ما جاء به الوحي وما صدر عن النظر العقلي بارتياح يَكِلُ أمر ما أبهم على فكره المنطقي إلى ما تجلى لقلبه من حقيقة أن الله أعلم وأحكم. وأن لا تناقض أن يكون الفعل للعبد المكلف والخلق للرب القادر في وقت معا.
لما ينته الناس من الجدل حول الجبرية وما جنته من تواكل وخمول على المسلمين وإنها لعقيدة مثبطة. فيم السعي إن كان كل شيء قد قدر أزلا ؟ سؤال أعور.
ويميل المثقفون القائلون الكاتبون المتتلمذون لمذاهب الاستشراق إلى مذهب المعتزلة القدرية الذين يجحدون ما أثبته في محكم كتابه من أن الله خلقنا وخلق أعمالنا.
وهذا ميل أشد عورا.
ندخل لموضوعنا في طب الوحي وصيدلية النبوءة مشيرين على من يشكو من ازدواج النظرة أن يراجع الطبيب ويستعمل من صيدلية الوالد المعلم.
الهداية منه سبحانه وتعالى، يشرح صدر من يشاء من عباده للإسلام، ويغمره بنور الإيمان واليقين كما قال جل وعلا : ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء. كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يومنون﴾ (سورة الأنعام، الآية : 186).
والطلب موجه إلى العبد في نفس الوقت أن يغير ما بنفسه. ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (سورة الرعد، الآية : 12).
لا تناقض في نظر من له عينان.
والسؤال العملي النافع هو : كيف أغير ما بنفسي فأتوب ليتوب الله علي ؟ أو يطرح السؤال عكسا : كيف يتوب الله علي لأتوب جزاء تعرضي لعطائه بالإقبال عليه ؟
يؤول السؤال إلى معرفة كيف يشرح الله الصدور للإسلام وكيف يذوق المسلم حلاوة الإيمان. وقد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن طعم الإيمان يذوقه من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا.
الرضى حالة نفسية قلبية. شعور قلبي واقتناع يشمل الكيان الإنساني أجمع، عاطفته وعقله وحركة جوارحه.
أخبرني أيها الطبيب كيف الفوز بالرضى والطمأنينة ؟
سريريا كما يقول الأطباء ؟
ويجيب الوحي على لسان الوالد المربي المزكي المعلم صلى الله عليه وسلم كما روى الشيخان عن أنس : "ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان. من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله. ومن كره أن يعود للكفر، بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار".
من أدركوا الرسول الوالد صلى الله عليه وسلم قد دخلوا إلى حب الله بحب رسوله. رسول رؤوف بالمومنين رحيم لين مجيب. ووجدوا طعم الإيمان.
ولكل جيل بعده واسطة هذه الثلاثية. أن يحب سائل الفطرة عبدا لا يحبه إلا لله. وأن ينخرط في المسجد مع مومنين يحبهم في الله.
يتجسد هذا الحب شيئا فشيئا لدى الوارد على المسجد المتعطش للإيمان. صحبة أهل المسجد. وقدوة أفراد من صالحي أهل المسجد، يحملانه على جناح صدقه ونية إقباله على الله إلى حيث يوجد طعم الإيمان.
الصلاة معهم خمس مرات في اليوم. ومجالستهم. ومعاشرتهم. والتعاون معهم ويسري الحب في الله بإقناع شمولي يشارك فيه العقل المنفتح والمشاعر والأشواق. لا يستبد العقل بجفافه المنطقي ولا يلتف في عباءة أنانيته.
هذا شرط. إقبال كلي لا فضول فكري.
ومن هنا يكتسب الوارد السائل المتفتح الصادق مزيدا من الإيمان بتطبيقه لحمية الطبيب وتناوله لحبات العلاج ومفرداته.
في القرآن الكريم وفي السنة النبوية عشرات من الرحمات. عشرات من الجزاءات المشروطة : من فعل كذا فله كذا.
وجد طعم الإيمان جزاء معجل ليثبت الطالب على مسيرته ويتقدم. وليس ذوق الإيمان وطمأنينة النفس بذكر الله على نفاستهما إلا مقدمات وعربونا على القصد الأسمى الأخروي.
يسمو قصد من جاء إلى عتبات الطب النبوي درجة. يسأل الله خيرا بعد خير، ثم تعظم ثقته بالكريم الجواد سبحانه فيسأله خير الدنيا والآخرة.
وفي صيدلية النبوة أن من فعل ذلك حتى غلب عليه الدعاء والطلب والثقة الصادقة يعطى ثم يعطى.
روى الترمذي حديثا حسنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "من أوى إلى فراشه طاهرا يذكر الله حتى يدركه النعاس، لم ينقلب ساعة من الليل يسأل الله من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه".
ثم يسمو قصد الصادق المشمر عن ساعد الجد والاجتهاد والجهاد، فيطلب بعد عافية طعم الإيمان، وصحة خير الدنيا والآخرة، مزية الدخول في كنف الرعاية الشاملة والعناية الضافية.
تتقدم إليه الشروط على لسان الترجمان النبوي القائل صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي ذر : "يقول الله عز وجل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر. ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة. ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة".
الله ! الله !
يثق أحدهم بطبيب مختص، ويثق بالدواء المختص. حبة صفراء، بعدها بأربع ساعات حمراء، وأخرى في المساء.
ويستسلم، ويسلم بين يدي طبيب يعرف لما أحس في جسده بألم المرض وعانى من أوجاع الكلية والقلب. ولو أمره الاختصاصي بمتناقضات الألوان لما التفت عن ثقته به.
ولا يثق بأن هنالك طبا للقلوب وشفاء لما في الصدور إلا من أيس من تهويمات فكره، وتسكع حركاته في الحياة، وبؤس حيوانيته، وأصاخ يوما، أو ساعة، أو لحظة لنداء "حي على الفلاح".
والمنهاج الطبي كما يصفه القرآن وتصفه السنة : من فعل كذا فله كذا. وأنت تغير ما بنفسك ليغير الله ما بك. أنت تتقرب منه بما رسم لك ووظف عليك من طهارة وصلاة وزكاة وصيام وحج وذكر وأعمال صالحات.
أنت تتقرب شبرا شبرا، والمولى يضاعف الجزاء ويطوي المسافات.
وأنت أيها الأنا العقل على طريق الانعتاق من محنتك.
avatar
عمرسعيدالحسني
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 20
العمر : 46
الموقع : www.manthoor.com
المزاج : معتدل هادئ محب للحوار
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف عمرسعيدالحسني في السبت 10 ديسمبر 2011 - 20:28

8.في نور المعرفة : ( مقدمة)
تتفرد سائر العبادات بنورانيات خاصة كالصيام لما فيه من السمو و الرفعة عن كل محسوس ، و تتميزالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بكونها ليست مقيدة بزمان محدد و بإذن عام وخاص ، بل عبادة كلية جامعة تمد صاحبها بأنوار عدة ، منها ما يصقل الروح ومنها ما يباشر الجنان ، و يتزايل صاحبها و المستغرق فيها بنور معرفة خاصة ، خاصة به صلى الله عليه وسلم ، و بنور فهم خاص للوحي.
ذلك أن الحبيب صلى الله عليه و سلم بحسب بعض الأولياء يتجلى للأولياء و خذامه صلى الله عليه وسلم و للكون في أكثر من ثلاثين ألف صورة و تجلي ، بل أكثر.وفيتجلياته صلى الله عليه و إمداداته للسالكين يمدهم بالمعرفة و نورها و هي الحكمة و الرشد و سلوك طريق السنة و الإمتثال لمنهاجه و فهمه و كيفية تطبيقه للوحي وما أوحى الله عليه.بل يزيدهم فهما خاصا للنقل فتأتي فهومهم كالدرر و النجوم.
يقول مولانا عبد القادر الجزائري في مسالة قابليات الإنسان للسلوك و المعرفة ....كل إنسان من حيث إنسانيته و حقيقته مستعد بالإستعداد الكلي إلى ظهور الصورة الإلهية فيه ، و لكن قد تتوقف حصول هذا التجلي المستعد له بالإستعداد الكلي على رفع موانع و حصول شرائط كما قلنا فخوض السالك لطريق الله أهل الله تعالى في الرياضيات النفسية و المجاهدات البدنية ومعانقة الآداب الشرعية لرفع الموانع الطبيعية ، و الإقتضاءات الشهوانية النفسية ، و تحصيل الشرائط بتصفية محل التجلي وتنويره بالأذكار ، ومواصلة الإعتبار ، والتعرض لنفحات الحق تعالى بالسحار ، هو الإستعداد الجزئي العرضي ، وهذا ما يذكره بعض الأكابر ، وهو أن المرآة من حيث هي مرآة ، لها قابلية لأن ينظر الملك فيها وجهه ، و ليس لها استعداد لأن ينظر فيها وجهه، إلا إذا كانت محلاة بأنواع الجواهر ، مزينة بالحلي الفاخر ، فعبر بالقابلية عن الإستعداد الكلي الذاتي ، و بالإستعداد عن الأستعداد العرضي الجزئي ، والإستعدادات الكلية الذاتية غير وجعولة ، فلا توصف بالخلق ، فلهذا فهي لا علىة لها و لا يقال لها لم؟) ...ص 34.35/ج2 من المواقف الروحية.
فكل إنسان من حيث أنسانية كان له استعداد فطري مطلق لتلقي العلوم و الأسرار بعد منازلة نفسه و تصفيتها من حظ الشيطان فيها . و القلب بيت الرب و مقامه فعلى قدر وله القلب بربه و استعطافه الروحي في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تتصل الروح بممدها و القلب بخالقه و يستقبل العقل المعرفة الكاملة التامة به صلى الله عليه وسلم.
نقف مع الولي الأكبر مولانا ابن عربي في تعريف المعرفة فنجده يقول : ( ......اعلم أن المعرفة نعت إلهي لا عين لها في السماء الإلهية من لفظها ن و هي أحدية المكانة لا تطلب إلا بالواحد ، و المعرفة عن القوم محجة ، فكل علم لا يحصل إلا عن عمل و تقوى و سلوك فهو معرفة لأنه عن كشف محقق لا تدخله الشبه ، بخلاف العلم الحاصل عن النظر الفكري لا يسلم أبدا من دخول الشبه عليه و الحيرة فيه و القدح في الأمر الموصل إليه.و اعلم أنه لا يحصل العلم لأحد إلا لمن عرف الأشياء بذاته ، وكل من عرف شيئا بأمر زائد على ذاته فهو مقلد لذلك الزائد فيما أعطاه ، وما في الوجود من علم الأشياء بذاته إلا واحد ....... الفتوحات المكية ص 294/م2.
و بعد أن تقرر ما ما ذكرناه يقول ابن عربي رضي الله عته أن المعرفة هي العلم بالشيء وهي تنحصر في سبع علوم نذكرها دون التفصيل فيها و هي :
1. علم الحقائق وهو العلم بالسماء الإلهية.
2.العلم بتجلي الحق في الشياء.
3. العلم بخطاب الحق عباده المكلفين بألسنة الشرائع.
4.علم الكمال و النقص في الوجود.
5.علم الإنسان نفسه من جهة حقائقه.
6.علم الخيال و عالمه المتصل و المنفصل.
7.علم الأدوية و العلل.
وهي علوم كان للحبيب صلى الله عليه وسلم باعتباره المتفرد الكامل عتالي الشاو فيها ببركة الوحي و النخصيص الإلهي ن وينال كل البعض منها بحسب مرتبته و سلوكه ، ويرثها بالوراثة إذنا و تسليكا كل من رشحه الله تعالى بسابقته لهذا المقام المصطفوي العالي بالله .قول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه مقدمات المنهاج : (....وأستعمل الكلمتين استعمالا خاصا محدودا. فأقصد بالرحمة العلاقة القلبية للعبد بربه، وأقصد بالحكمة تصرف العقل، عقل المؤمن المرحوم، أثناء فهمه لشريعة الله عز وجل، وأثناء صياغتها صياغة قابلة للتطبيق، وأثناء السهر على تنفيذ أوامرها والامتناع والزجر عن نواهيها.
الرحمة ما جاء من الله تعالى للعبد هداية كبعث الرسل إليه، والرحمة تعلق القلب بتلك الهداية، والاستمساك بعروتها حتى تنور كيانه ويتمكن في محبة الله عز وجل، تلك المحبة التي تؤدي للعمل والجهاد : ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يات الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المومنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ [1]
أقصد بالحكمة "معرفة الدين والعمل به" كما فسر الكلمة الإمام مالك رحمه الله. قال ابن قتيبة : "الحكمة عند العرب العلم والعمل". والعلم والعمل آلتهما العقل. فإما عقل مصدر معرفته التجربة البشرية والتخمين الفلسفي وذاك عقل مشترك بين البشر. وإما عقل يتلقى عن القلب رحمة الإيمان وهداية الوحي، ثم ينصرف إلى تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى في الكون، لا غنى له عن التجربة والفحص، فذاك عقل الحكمة.
الرحمة قلبية، والحكمة عقلية راجعة في معرفة الأهداف والغاية إلى الوحي، آخذة بالتجربة التي تمكن الإنسان من ضبط حركة الكون والسيطرة على تفاعلاته ليتسنى له تطبيق الشرع. ) كتاب مقدمات المنهاج ، طبعة 1990.
من التجديد في الفهم ، ربط الإرادة بالفهم السليم ، وترتيب العمل السلوكي وفق حكمة علمية و رحمة قلبية ، وهي حقا من اسس المعرفة الأحسانية إن صح التعبير ، ذالك أن السلوك النبوي كان في حكمة بالغة مؤيدة بالوحي و التوجيه الرباني في الأحداث .أما التابعين على منواله و نهجه صلى الله عليه و سلم يتوجب عليهم طلب المقامات العالية بالله الأحسانية علهم يستمدون منه تلك الحكمة.
في البداية فضل الله وكرمه وعطاؤه لخلقه. خلق سبحانه وتعالى الإنسان فسواه، وقدره وقدر له فهداه. ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك. في أي صورة ما شاء ركبك ؟ ﴾ (سورة الإنفطار، الآيات : 6-Cool.
فضله وعطاؤه وخلقه وتعديله وتعيينه للصورة والوقت وظروف بروزك يا إنسان من عالم العدم إلى دنيا الوجود ثم يحييك ويميتك ويبعثك وينشرك ويحاسبك ويجزيك ويعفو ويغفر إذ هو الغفور الرحيم، أو يعاقب إذ هو شديد العقاب.
وأنت يا إنسان مكلف بالعمل، مسؤول عنه، مخلوق عملك.
تناقض أول في نظر العقل القاصر، وبلاء وشدة.
ويصيب العقل المسلم عاهة ازدواج النظرة عندما لا يتطابق إدراك البصر العقلي المنطقي مع بصيرة القلب الإيمانية فتنحرف ذات اليمين وذات الشمال عقيدتا الجبر والقدر اللتان شغلتا المسلم ولا تزالان.
يتساءل القاصر المنحرف الذي لم يقبل بطمأنينة الإيمان تزامن نقيضين عقليين وتراكبهما وتواردهما على محل واحد.
ويقبل العقل المومن المفتوح العينين ما جاء به الوحي وما صدر عن النظر العقلي بارتياح يَكِلُ أمر ما أبهم على فكره المنطقي إلى ما تجلى لقلبه من حقيقة أن الله أعلم وأحكم. وأن لا تناقض أن يكون الفعل للعبد المكلف والخلق للرب القادر في وقت معا.
لما ينته الناس من الجدل حول الجبرية وما جنته من تواكل وخمول على المسلمين وإنها لعقيدة مثبطة. فيم السعي إن كان كل شيء قد قدر أزلا ؟ سؤال أعور.
ويميل المثقفون القائلون الكاتبون المتتلمذون لمذاهب الاستشراق إلى مذهب المعتزلة القدرية الذين يجحدون ما أثبته في محكم كتابه من أن الله خلقنا وخلق أعمالنا.
وهذا ميل أشد عورا.
ندخل لموضوعنا في طب الوحي وصيدلية النبوءة مشيرين على من يشكو من ازدواج النظرة أن يراجع الطبيب ويستعمل من صيدلية الوالد المعلم.
الهداية منه سبحانه وتعالى، يشرح صدر من يشاء من عباده للإسلام، ويغمره بنور الإيمان واليقين كما قال جل وعلا : ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء. كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يومنون﴾ (سورة الأنعام، الآية : 186).
والطلب موجه إلى العبد في نفس الوقت أن يغير ما بنفسه. ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (سورة الرعد، الآية : 12).
لا تناقض في نظر من له عينان.
والسؤال العملي النافع هو : كيف أغير ما بنفسي فأتوب ليتوب الله علي ؟ أو يطرح السؤال عكسا : كيف يتوب الله علي لأتوب جزاء تعرضي لعطائه بالإقبال عليه ؟
يؤول السؤال إلى معرفة كيف يشرح الله الصدور للإسلام وكيف يذوق المسلم حلاوة الإيمان. وقد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن طعم الإيمان يذوقه من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا.
الرضى حالة نفسية قلبية. شعور قلبي واقتناع يشمل الكيان الإنساني أجمع، عاطفته وعقله وحركة جوارحه.
أخبرني أيها الطبيب كيف الفوز بالرضى والطمأنينة ؟
سريريا كما يقول الأطباء ؟
ويجيب الوحي على لسان الوالد المربي المزكي المعلم صلى الله عليه وسلم كما روى الشيخان عن أنس : "ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان. من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله. ومن كره أن يعود للكفر، بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار".
من أدركوا الرسول الوالد صلى الله عليه وسلم قد دخلوا إلى حب الله بحب رسوله. رسول رؤوف بالمومنين رحيم لين مجيب. ووجدوا طعم الإيمان.
ولكل جيل بعده واسطة هذه الثلاثية. أن يحب سائل الفطرة عبدا لا يحبه إلا لله. وأن ينخرط في المسجد مع مومنين يحبهم في الله.
يتجسد هذا الحب شيئا فشيئا لدى الوارد على المسجد المتعطش للإيمان. صحبة أهل المسجد. وقدوة أفراد من صالحي أهل المسجد، يحملانه على جناح صدقه ونية إقباله على الله إلى حيث يوجد طعم الإيمان.
الصلاة معهم خمس مرات في اليوم. ومجالستهم. ومعاشرتهم. والتعاون معهم ويسري الحب في الله بإقناع شمولي يشارك فيه العقل المنفتح والمشاعر والأشواق. لا يستبد العقل بجفافه المنطقي ولا يلتف في عباءة أنانيته.
هذا شرط. إقبال كلي لا فضول فكري.
ومن هنا يكتسب الوارد السائل المتفتح الصادق مزيدا من الإيمان بتطبيقه لحمية الطبيب وتناوله لحبات العلاج ومفرداته.
في القرآن الكريم وفي السنة النبوية عشرات من الرحمات. عشرات من الجزاءات المشروطة : من فعل كذا فله كذا.
وجد طعم الإيمان جزاء معجل ليثبت الطالب على مسيرته ويتقدم. وليس ذوق الإيمان وطمأنينة النفس بذكر الله على نفاستهما إلا مقدمات وعربونا على القصد الأسمى الأخروي.
يسمو قصد من جاء إلى عتبات الطب النبوي درجة. يسأل الله خيرا بعد خير، ثم تعظم ثقته بالكريم الجواد سبحانه فيسأله خير الدنيا والآخرة.
وفي صيدلية النبوة أن من فعل ذلك حتى غلب عليه الدعاء والطلب والثقة الصادقة يعطى ثم يعطى.
روى الترمذي حديثا حسنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "من أوى إلى فراشه طاهرا يذكر الله حتى يدركه النعاس، لم ينقلب ساعة من الليل يسأل الله من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه".
ثم يسمو قصد الصادق المشمر عن ساعد الجد والاجتهاد والجهاد، فيطلب بعد عافية طعم الإيمان، وصحة خير الدنيا والآخرة، مزية الدخول في كنف الرعاية الشاملة والعناية الضافية.
تتقدم إليه الشروط على لسان الترجمان النبوي القائل صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي ذر : "يقول الله عز وجل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر. ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة. ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة".
الله ! الله !
يثق أحدهم بطبيب مختص، ويثق بالدواء المختص. حبة صفراء، بعدها بأربع ساعات حمراء، وأخرى في المساء.
ويستسلم، ويسلم بين يدي طبيب يعرف لما أحس في جسده بألم المرض وعانى من أوجاع الكلية والقلب. ولو أمره الاختصاصي بمتناقضات الألوان لما التفت عن ثقته به.
ولا يثق بأن هنالك طبا للقلوب وشفاء لما في الصدور إلا من أيس من تهويمات فكره، وتسكع حركاته في الحياة، وبؤس حيوانيته، وأصاخ يوما، أو ساعة، أو لحظة لنداء "حي على الفلاح".
والمنهاج الطبي كما يصفه القرآن وتصفه السنة : من فعل كذا فله كذا. وأنت تغير ما بنفسك ليغير الله ما بك. أنت تتقرب منه بما رسم لك ووظف عليك من طهارة وصلاة وزكاة وصيام وحج وذكر وأعمال صالحات.
أنت تتقرب شبرا شبرا، والمولى يضاعف الجزاء ويطوي المسافات.
وأنت أيها الأنا العقل على طريق الانعتاق من محنتك.
avatar
عمرسعيدالحسني
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 20
العمر : 46
الموقع : www.manthoor.com
المزاج : معتدل هادئ محب للحوار
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف عمرسعيدالحسني في السبت 10 ديسمبر 2011 - 20:29

9.في نور المعرفة : ( في أفق التجديد التربوي):
لا يفهم بعض أهل الله تعالى مسألة التجديد في الصورة و الشكل و الطريقة ، بقدر ما يحافظون على الطرائق القديمة في التربية و التعليم.وكل من صرخ بأعلى الأصوات هاتفا إلى ضرورة إعادة علوم التصوف و التربية و التسليك و التزكية إلى معينها النبوي الصيل اتهم بتجاوز وإساءة الأدب مع الشيوخ المعتمدين عند أهل الله.
ومنه لا تسمو نفسه إلى تحرير عقله ثم طريقته الإجرائية في فهم ما عند أسلافنا من أدوات علمية اصيلة في فهم التصوف و تنقيته من الشوائب بعيدا عن التصوف الفلسفي و الفكر الأشراقي .فإذا ما قلت أن النموذج الكامل هو ما كان عليه الحبيب صلى الله عليه وسلم في التربية و الجهاد بل و حتى السياسة الشرعية نظر إليك شزرا و قال : ( ما أمرني شيخي إلا بنفسي بين جنبي مالي و للجهاد عفوا السياسية).
نور المعرفة سادتي تقتضي منا ما يلي و هذا رأيي الضعيف و اجتهادي العليل قد يكون مصيبا أو خاطئا :
- تحرير عقول بل إرادة بعض المنتسبين إلى أهل الله من الجمود الشرعي وذالك في تقصي النموذج الكامل النبوي ، وما الطريقة التي تنسب إلى الولي إلا مجرد اجتهاد ونور من أنوار النبي صلى الله عليه وسلم و ليست أجتهادا كاملا بل هي فرع من فروع الدوحة النبوية.
-تحرير عقول إلى الله تعالى من القداسة المفرطة للشيوخ ومن الحساسيات الذميمة بين الطرق ، و إلى الإعجاب كل فتاة بأبيها.
- اعتبار أن التصوف و طرائق أهل الله تعالى كلية جامعة لمختلف المشارب لكنها في صميمها أنوار عدة لأنوار نبوية تعددت لتفاوت مراتب الناس و قابليتهم.
-البحث عن أجتهاد علمي جماعي يجمع كليات التصوف ، وياصلها إلى علم دقيق ، يقترب من النموذج النبوي و يسمو بالفرد إلى معين النموذج الكامل للحبيب صلى الله عليه و سلم.كثيرا ما تسمع مسلما جديدا أتى إلى الإسلام من الكفر أو الإلحاد يقول: هذا ميلاد جديد لي! ويقول التائب من الذنب: هذا ميلادي، ويقول الداخل مع المؤمنين في جماعة: هذا ميلادي. وما منهم إلا صادق يعبِّر عن فرحه وتحوله الحقيقيين. وبهذا الاعتبار فالمربي والمعلم والمؤدب والواعظ والداعية المرشد آباء بمعنى ما. لكن الميلاد القلبي الروحي حقيقة أخرى لا مقارنة بينها وبين غيرها. من السالكين من يخبره الشيخ، إن رأى في ذلك حكمة، بهذه الأمور، أو يبشره بميلاده وخطواته نحو الرجولة. ومنهم من يمثّل الله تعالى له ذلك في رؤيا المنام أو اليقظة. ومنهم من لم يقرأ ولم يسمع عن شيء من ذلك حتى فاجأه الفتح وجاءه النصر، وارتفعت على رأسه أعلام الولاية وهو يرى نفسه أحقر من أن يتطلع لأفق أعلى من مغفرة ذنبه.
من السالكين من تُطَوِّرُه العناية الإلهية في أطوار السلوك إلى الوجود الثاني والنشأة الآخرة وهو فاتح عينيْه على المشاهد والمقامات والأحوال، مشغول بالفرجة على تلك المغاني السَّنيَّة. وأعلى السلوك وأكملُه وأقربُه وأحبّهُ وأطيبه سلوك كبار الصحابة رضي الله عنهم الذين نشأوا ورشدوا في حجر خير البرية صلى الله عليه وسلم، إمام الأنبياء، وأب الأولياء. كبار الصحابة هم سادة الأولياء وأئمتهم. فضلوا الكل بالصحبة المباشرة لأكرم مخلوق على الله. وفضلوهم بالجهاد، شغلتهم نُصرة الله ورسوله عن تَملِّي بَهاء الأنوار الكونية، وعن تذوق التجليات الربانية. شغلتهم الاستماتة في سبيل الله في ميادين الجلاد عن ما يحدثه الله عز وجل في قلوبهم وأسرارهم من إنشاء معنوي روحي. شغلتهم الدعوة والهجرة والنصرة وتدبير أمر الأمة عن الاهتمام بالتحولات الباطنية فيهم، زواها الله عنهم، ودبَّرها لهم تدبير الوكيل. كانوا لله فكان الله لهم. ولا تظنَّنَّ أن سكوتهم عما لَهَجَ به من بعدَهم قصورٌ، بل هم في القمة، نالوا ما ناله القوم رضي الله عنهم، وزادوا، وزادوا.
العُمدة ليست في اطّلاعك على ما يفعله الله بك عز وجل، العمدة في اشتغالك بما أمرك. فمما أمرك به الجهاد. كان القوم أحلاس بيوتهم فما وجدوا من جهاد إلاّ جهاد أنفسهم، وأنت يا من تقرأ كتابي أحياك الله في أزمنةٍ أصبح فيها الجهاد لإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة فرضا. فاشتغل بالعمل الصالح، لكن لا يفتك الله، واطلب من بين المجاهدين من يحضُنك ويطيبك ويبخِّرُك، ويزجُّ بك في حضرة الأحياء بالله في نفس الوقت الذي يحرِّضُك فيه على الجهاد في سبيل الله. إن فاتك طلب الله مع الطالبين، والشوقُ إليه مع المشتاقين، والسير مع السائرين، والولادة في الروح والمعنى مع الوالدين والمولودين، فقد تنال الشهادة الصغرى بالموت الطبيعي، تصيبك رصاصة في سبيل الله. لكن الشهادة الكبرى لا ينالها من انحصرت همته في طلب جنات النعيم ومفاكهة الحور العين. لا ينالها إلا من قتله سيف الحب لله، والحب في الله، والأدب مع الله ومع أولياء الله.
يقول الشيخ عبد السلام ياسين في مسألة الأدب كسمة من سمة الطائفة العلية : ( من ظفر بالكنز العزيز، الشيخ الكامل المكمِّل، وحظي عنده بالقبول، فذاك عنوان سعادته. فليحرص على مُخَالَلَتِه، إذ الرجل على دين خليله. وذلك بالتوجه القلبي إليه، وبتعظيمه وتوقيره وتعزيره حتى تتشرب روحُه من روحه، ويستقي غصنه من جذوره. قال الأستاذ القشيري: "وقبول قلوب المشايخ للمريد أصدق شاهد لسعادته. ومن ردّه قلب شيخ من الشيوخ فلا محالة يرى غبَّ ذلك ولو بعد حين. ومن خُذِل بترك حرمة الشيوخ فقد أظهر رَقْم شقاوته، وذلك لا يُخطئ"[1].
يؤكد القوم النصيحة باحترام المشايخ وطاعتهم. وقد يقول قائلهم: "يكون بين يديه كالميت بين يدي غاسله". وهي مقالة خطيرة، لأنّ المريد لا يستطيع تمييز الشيخ الرباني من النصّاب الكذاب، فيسقط في يد نفس طاغية تلعب به كما تلعب بصاحبها. لذلك يفصل الإمام الغزالي شروط الشيخ الذي تتعين حُرمته، ويشير إلى المعاملة اللازمة معه إن أخطأ. فكل ابن آدم خطّاء، حتى كُمَّلُ الأولياء، حاشا المعصومين أنبياء الله. قال رحمه الله: "شرط الشيخ الذي يصلح أن يكون نائبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون عالما. ولكن لا كلّ عالمٍ يصلح للخلافة. وإني أبين لك بعض علامته على الإجمال، حتى لا يدعي كل أحد أنه مرشد: من يعرض عن حبِّ الدنيا وحب الجاه، وكان قد تابع لشخص بصير تتسلسل متابعته إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وكان محسنا رياضةَ نفسه من قلَّة الأكل والقول والنوم وكثرة الصلوات والصدقة والصوم. وكان بمتابعة الشيخ البصير جاعلا محاسن الأخلاق له سيرة، كالصبر والصلاة والشكر والتوكل واليقين والقناعة وطمأنينة النفس والحِلم والتواضع والعلم والصدق والحياء والوفاء والوقار والسكون والتأنّي وأمثالها. فهو إذا نور من أنوار النبي صلى الله عليه وسلم، يصلح للاقتداء به. ولكن وجود مثله نادر أعز من الكبريت الأحمر. ومن ساعدته السعادة فوجد شيخا كما ذكرنا، وقبله الشيخ، ينبغي أن يحترمه ظاهرا وباطنا، أما احترام الظاهر فهو أن لا يُجَادله، ولا يشتغل بالاحتجاج معه في كل مسألة وإن علم خطأه. ولا يلقي بين يديه سجّادته إلا وقت أداء الصلاة، فإذا فرغ يرفعها. ولا يكثر نوافل الصلاة بحضرته، ويعمل ما يأمره به الشيخ من العمل بقدر وُسعه وطاقته. وأما احترام الباطن فهو أن كلَّ ما يسمع ويقبَلُ منه في الظاهر لا ينكره في الباطن لا فعلا ولا قولا لئلا يتسم بالنفاق. وإن لم يستطع يترك صحبته إلى أن يوافق باطنه ظاهره"[2].
ظواهر العبادة والأخلاق قد يتحلى بها عابدٌ زاهد فاضل عالم ليس من "فن" السلوك في شيء فيا ربِّ من أصحب! من الدليل! ونلاحظ إلحاح الغزالي على تسلسل المتابعة. وهي نقطة أساسية، فمن لا أب له في طريق القوم لقيط دخيل، إلا أن يكون مجذوباً من أطفال الحضرة، وذاك لا يقتدى به ولا يَلِدُ ولا يربِّي. وكان الغزالي رحمه الله من أكثر الناس انقيادا للمشايخ، وبذلك فاز.
ويقول الشيخ عبد القادر رحمه الله: "يا قوم! متى تعقلون! متى تدركون الذي أشير إليه! طوفوا على من يدلكم على الحق عز وجل. فإذا وقعتم بهم فاخدموهم بأموالكم وأنفسكم. المشايخ الصادقون لهم روائحُ، لهم علامات ظاهرة نيِّرة على وجوههم. ولكن الآفة فيكم وفي بصائركم وفي أفواهكم السقيمة. ما تفرقون بين الصّدّيق والزنديق"[3]. لهم روائح لكن أين لك بالشم الذي به تتخالل الأرواح! قال الإمام السهروردي: "فإذا صادف (المريد) شيخا انبعث من باطن الشيخ صدقُ المحبة بتأليف القلوب وتشامِّ الأرواح وظهور سر السابقة فيهما باجتماعهما لله وفي الله وبالله"[4].
بأدبك مع المخلوق وشمِّك من روحه تتعلم الأدب مع الخالق سبحانه. وبصبرك في صحبته تتماثل للبروز إلى وجودك الروحي الكاملي. قال الشيخ عبد القادر قدس الله سره: "ما تأدبت مع المخلوق وتدعي الأدب مع الخالق! المعلم ما رضي عنك! ولا تأدبت معه، ولا قبلت أوامره. تقعد في الدست وتتصدر! لا كلام حتى يقوم توحيدك على رجلِه ويثبت بين يدي الحق عز وجل، وتخرج من بيضة وُجودك، وتقعد في حِجْر اللطف، وتكونَ تحت جناح الأنس به، وتلقُطَ حَبَّ الإخلاص، وتشرب ماء المشاهدة. ثم تبقى على ذلك إلى أن تصير ديكا". وا أسفا على من يظن أن هذا الكلام تزويق وتنميق! لكن ما الحيلة معك إن كنت قفصا بلا طائر! ما الحيلة إن كانت أنانيتك وكبرياؤك أحبَّ إليك من الله ورسوله!
وقال رحمه الله: "من أراد الفلاح فليصر أرضاً تحت أقدام المشايخ. ما صفة هؤلاء الشيوخ؟ هم التاركون للدنيا والخَلْق، المودِّعون لما تحت العرش إلى الثّرى، الذين تركوا الأشياء وودَّعوها وداع من لا يعود إليها قطُّ. ودّعوا الخلق كلّهم، ونفوسهم من جملتهم، ووجدوا وجودهم مع ربهم عز وجل في جميع أحوالهم. كل من يطلب محبة الحق عز وجل مع وجود نفسه فهو في هوَس وهذيان"[5].
وجودُ النفس، هوسُ النفس، أنانيتُها، ذبحُها. اخرج من بيضة وجودك الدنِي، واجلس في "حجر اللطف". عناية الله عز وجل وحدها وسابق علمه فيك كفيلة بذلك. قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: "فيا خيبة من لم يعرف الله عز وجل ولم يتعلق بأذيال رحمته! يا خيبة من لم يعاملْه، وينقطع إليه بقلبه، ويتعلق بسرِّه، ويتمسك بلطفه ومِنَنه! يا قوم! الحق عز وجل يتولى تربية قلوب الصديقين من حال صغرهم إلى كبرهم"[6]. هذا حظ السابقة. وواجبك أنت في "المعاملة" و"الانقطاع" و"التعلق" و"التمسك" يبينه لك عبد القادر مضيفا: "يا غلام! كن غلام القوم وأرضاً لهم وخادما بين أيديهم. فإذا دمت على ذلك صرت سيدا. من تواضع لله عز وجل ولعباده الصالحين رفعه الله في الدنيا والآخرة. إذا احتملت القوم وخدمتهم رفعك الله إليهم وجعلك رئيسهم. فكيف إذا خدمت خواصَّه من خلقه!". ويقول رحمه الله: "يا من أراد السلوك! استدلَّ بمن قد سلك، وعرف المواضِعَ المَخوفَةَ منها، وهم المشايخ العمّال بالعلم، المخلصون في أعمالهم. يا غلام! كن غلام الدليل! اتبعه! اترك رَحْلَك بين يديه وسر معه، تارة عن يمينه، وتارة عن شماله، وتارة وراءه، وتارة أمامه. لا تخرج عن رأيه، ولا تخالف قوله. فإنك تصل إلى مقصودك ولا تضِل عن جادتك"[7].
يقول الغزالي إن الشيخ الكامل نور من أنوار رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا يقول الشيخ أحمد الرفاعي قدس الله سره. وبالمواجهة، قلبا لقلب، مع العارف الكامل يحصل الاستمداد من الحضرة النبوية، وبالتعظيم لجناب الشيخ ورعاية خاطره تُستدام النفحات. قال الرفاعي: "وجِّه قلبك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واجعل الاستمداد من بابه العالي بواسطة شيخك المرشد. وقم بخدمة شيخك بالإخلاص من غير طلب ولا أرَب (من غير طلب مكافأة دنيوية). واذهب معه بمسلك الأدب. واحفظ غيبته. وتقيَّد بخدمته. وأكثر الخدمة في منزله. وأقلل الكلام في حضرته. وانظر إليه بنظر التعظيم والوقار لا نظر التصغير والاحتقار"[8].
من المتصدرين للإرشاد قبل الفطام، بل بدون أن يكونوا خَطَوْا خَطْوَةً واحدة على طريق الاستقامة، من يطيب له أن يخدمه الخلق، ويتزلفوا إليه، ويكثروا الخدمة في منزله، ويضعوا أموالهم تحت قدميه. وهكذا يَهْوِي التابع والمتبوع في دركات الخزي، يستعبد "الشيخ" الأتباع، وترتع نفسه المخبَّثَةُ في هواها، وتتخبَّثُ نفوسُهم، وتنشأ دويلات استغلاليَّةٌ جاهلية كانت في تاريخنا ولا تزال محطّات للتعفُّن الاجتماعي. إن سَلَّمْتَ نفسك لنفس لاصقة بالدنيا فلا تنتظر إلا المصيرَ الرديء في الدنيا والآخرة. فيا ربّ من أصحب! وكيف أصحب! وأين أولياؤك الذين طلقوا الرئاسات لمّا هاموا في حبك وحب أحبابك!
في كل عصر تسمع من الصالحين أن زمان الصلاح أدبر وولّى، ولم يبق من يصلح للصحبة. وعلى لسان المشايخ المعتَبرين تسمع أن المطلوب للصحبة نادر ندرة الكبريت الأحمر. وهو كذلك دائما وسيبقى. لكن الطالب الصادق الذي أيقظَ الله عز وجل فيه باعث الإرادة العليَّة والهمة المتقدة من حقه أن يستبشر، فإن الله جلت عظمته أكرمُ من أن يبعثه ويوقفه على الباب ثم يرده خائبا وإن "من كانت له بدايةٌ محرقة كانت له نهاية مشرقة" كما يعبر القوم رضي الله عنهم.
قال العاشق الوامق الطالب الراغب:
محا بعدَكم تلك العيونَ بُكَاؤُها وغال بكم تلك الأضـالعَ غُولُهـا
فـمن ناظر لم تبـق إلا دمـوعه ومن مهجـة لم يبق إلا غليلُهـا
دعـوا ليَ قلبـا بالغـرام أذيبـه عليكم وعينا في الطلول أُجيلُهـا

وقال الملتاع في هواهم الظامِئ لوِرْدِهم:
تزود من المـاء القــراحِ فلن تـرى بوادي الغَضَـا ماء قراحـا ولا وِردا
ونل من نسيم البان والرَّنْدِ نفحـةً فهيهـات واد يُنْبِتُ الورد والرنـدا
وكــرَّ إلى نجــدٍ بطــرْفِـك إنـه متى تغْدُ لا تنظر عقيقـا ولا نجـدا
تلفَّتُّ دون الرَّكْـب والعـين غُـمْـرَةٌ وقـد مـدّها سيـل الدمـوع بها مـدا
لعلـي أرى داراً بـأسنمـة النَّـقــا فأطْـرَبُنـا للـدار أقـربنــا عهــدا
تـلاعـَبُ بـي بـين المعـالم لوعـةٌ فتذهب بي يأسا وترجع بي وَجدا

وقلت:
وَفي كَبدي مِن فرط وَجديَ لوعةٌ تَأَجَّجُ في الأحشـاءِ ناراً، تَحــرَّقُ
تَنامُ العُيــون السَّالِيــاتُ ومُقلَتـي هَتــونٌ بدمعـي، إنَّ شمـلي مفـرَّقُ
إليكَ إلهي الشـوقُ فامنُــن بِرحمـةٍ يُسـدِّد خطــواتي خليــلٌ مـوفَّـقُ




[1] الرسالة القشيرية ص 184.
[2] أيها الولد ص 63.
[3] الفتح الرباني ص 96.
[4] عوارف المعارف ج 2 ص 47.
[5] الفتح الرباني ص 263.
[6] نفس المصدر ص236.
[7] نفس المصدر ص 298.
[8] البرهان المؤيد ص 96.)
كتاب الإحسان
وتزاد المعضلة العلمية الإجرائية أشد صرامة إن كان ممن تصدر للحوزة المباكة وراتة للشيخ ممن تصم آذانهم فيحافظ على الشكل دون المعنى.
وقد كان تحرير عقول أهل الله من هذا الجمود يتطلب جهدا فريدا من المعلم و التلميذ و الشيخ و الأتباع ، فإن العملية تكون دون نتيجة إن كان المتصدر لمثل هذلا المقام غير مأذون له ، و لا غناء وسابقة له في متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم.
المعرفة في شقها العملي مرتبط بجانبها العلمي ودون التربية و الإجتهاد تظل عملية لا ثمرة لها أن لم يكن لها ارتباط بمستقبل الأمة وحاضرها نسأل الله التوفيق.
avatar
عمرسعيدالحسني
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 20
العمر : 46
الموقع : www.manthoor.com
المزاج : معتدل هادئ محب للحوار
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف عمرسعيدالحسني في السبت 10 ديسمبر 2011 - 20:29

0.في نور المعرفة : ( في معرفته صلى الله عليه وسلم المطلقة بربه تعالى) موقف 286 من الفيوضات الروحية للأمام عبد القادر الجزائري ، نموذجا :
أ.مقدمة:
كان الحبيب صلى الله عليه وسلم كامل المعرفة بربه خبيرا بأسمائه و صفاته قائما بالعبودية الحقة .قال مولانا عبد القادر الجزائري في موقفه 286 ، حول قوله تعالى وقل ربي زدني علما) طه ، آ 114: ( ...الأمر لأعلم الخلق و أقربهم من الحق صلى الله عليه وسلم ، و الأمر إذا تعرى عن البيان و قرائن الأحوال ، اقتضى التكرار ، عند المحققين ، فهو صلى الله عليه وسلم مأمور بطلب الزيادة من العلم في كل وقت.
وهذا من حيث اتصال الروح الشريف بالجسم الكريم ، وأما من حيث روحانيته الفاضلة ، و إنسانيته الكاملة فهو منبع العلوم الجامع بين الحقائق الإلهية و الكونية ، وكما أن ذات الحق تعالى كتاب كلي وأم جامع للأشياء قبل تفصيلها ، وعلمه بنفسه كتاب مبين ، كذالك هو صلى الله عليه وسلم من حيث إنسانيته الكاملة و حقيقته الجامعة كتاب جملي و أم جامع للأشياء بعد تفصيلها ، و علمه بنفسه كتاب مبين . فبين علم الحق وذاته تعالى و ذاته صلى الله عليه وسلم و علمه مضاهاة من حيث الشهود الفرقي.بل علمه وذاته ذاته صلى الله عليه وسلم و علمه مضاهاة من حيث الشهود الفرقي.بل علمه علمه وذاته ذاته من حيث الشهود الجمعي ، من غير اتحاد و لاحلول ولا امتزاج ؛إذ ليس إلا وجود واحد ، ففي من يحل ، وبمن يتحد و يمتزج؟!وكما أن الحق تعالى علم كل شيء من علمه بنفسه ، لأنه جميع الأشياء ، كذلك هو صلى الله عليه وسلم علم جميع الأشياء إجمالا و تفصيلا من علمه بذاته ، و حقيقته التي حقيقة الحقائق ، ومصدر كل كائن ، ومبدأ الكل و خزانة العلوم الإلهية و الكونية منه تخرج ، وعلى يديه تقسم ....) ص 103/ج2 ، المواقف الروحية و الفيوضات السبوحية.
يصطدم الفكر التربوي الصوفي في هذه المسالة بالفكر الوهابي السلفي ، أو بمباحث الحنابلة رحمهم الله تعالى ، ذلك أن الحقائق الربانية التي ايتنبطها أهل الله تعالى من خلال اتباعهم للحبيب صلى الله عليه وسلم ، وفي منازلتهم للذكر والمداومة عليه ، على فهوم خاصة تخص الذات النبوية.
فهي بحسب المعسكر آخر مبالغة كبيرة في مدحه صلى الله عليه وسلم ، ووصفه بحقائق لم ترد في السنة النبوية.
بل وجود تحذيرات وإشارات نبوية في عدم إطراءه و المبالغة في وصفه بأوصاف الألوهية.
واحتدم الصراع بين الحنابلة و اهل الله تعالى و أهل الحديث و الأشاعرة حول هذه الحقلئق الربانية فمنهم من سلم ومنهم من عارض ، ومنهم من سكت حفاظا على الهدي و النور النبوي.
لا أحد يشك أن الحبيب صلى الله عليه وسلم كتانت معرفته كاملة مطلقة كما سنرى في الفقرات الطويلة من الموقف 286 ، وسأسرده و أنقله كاملا دون تعليق.
لكن قبل ذالك أود أن أضع بين يدي القارئ فقرات من كتاب الأحسان في خصلة الصدة كتوطئة لمثل هذه الحقائق .حتى نكةون على بينة من أمرنا ، كيف كان الخلاف على الصوفية بين المدارس العلمية الإسلامية بمختلف مشاربها ، وحتى نفهم الأرضية التي كان يعيشها أسلافنا.
1.. الخلاف على الصوفية :

ينطلق المهزوم في ميدان المروءات، الفاشل في العمل، من هزيمته وفشله ليأتلف مع أضرابه المقهورين على رقعة الواقع، وينصِب حواجز الشك والتُّهمة، ويُنصِّب نفسه قاضيا محاسبا ليصادر العقائد، ويَدين النيات، ويوسِع العالمين طعنا في إخلاصهم، محتكرا الصدق لنفسه وحزبه، معمما الريبة فيمن ليس من سربه. هو الصواب مجسما، وقوله الحق مسلَّما مكرما، من باب تكريم المرء نفسه وتزكيتها على طريق القدح في غيره.
جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفيان بن عبد الله الثقفي فسأله: يا نبي الله! حدثني بأمر أعتصم به. فقال صلى الله عليه وسلم: "قل ربي الله ثم استقم". قال سفيان: قلت. يا رسول الله! ما أخوف ما تخاف علي؟ قال: فأخذ صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه وقال: "هذا". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
كان أهل الإيمان قبل نشوء الفرق يأخذون إيمانهم بعفويَّة "قل آمنت بالله ثم استقم" وبفطريتها. فلما انتشر الإسلام في الأعاجم دخلت الأفكار الوثنية والفلسفة، وامتدت رقعة دار الإسلام، وتناقضت الإرادات السياسية، وتقاتلت، واستعملت كل فرقة ما هو ثابت من النصوص، وصنعت منها ما يؤيد مقالتها، وشحذت سلاح العقل الفضولي، والعقل المتمرد. وتكلم الناس في الذات والصفات، وقست القلوب وأظلمت. فتن كقطع الليل المظلم، كان للسيف فيها جولات، وللكلمة وللقلم.
وعلى مرّ قرون الفتنة تأثّل في الأمة مخزون من البغضاء الخلافية، منه يستقي اليوم طائفة من المسلمين يسمون أنفسهم سَلَفية يرفعون راية قتالية اسمها ابن تيمية، ويحملون على هذا الكاهل مرارة الخلاف القديم، وعلى الكاهل الآخر هموم الحاضر. مُثقَلين مجهدين.
مركبة الإسلام المقلعة تجد أمامها نقاطا للمرور وشرطة وحسبة. لا فكاك، لا فكاك، حتى تدلي بشهادة البراءة من أوبئة الخلاف. يتفرس في وجهك شرطي المرور ليرى مخايل الاعتزال والبدعة والجهمية على وجهك. وقد لا يكتفي بالتفرس والتهمة والتبديع، فينزل إليك في فرقته بشوارع دمشق وعمان يروغُ عليك ضربا بالهراوات.
لا أحقر أحدا إن سميت القوم تيميين، وبحسْبِ المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم. لكن أريد أن يكون في كتابي هذا من التنبيه مثلُ ما فيه من التنويه، نصيحة راحل عن هذه الدار، باك على نفسه، حزين على ويلاتها، ضارع إلى ربه في المغفرة.
ابن تيمية عندي فحل من فحول العلماء، فذ من أفذاذ الفرسان. تصدى لمعركة جامعة، معركة على كل الواجهات. حاول أن يجمع أطراف الاجتهاد، وكانت له مقوماته. فتعرض لأهل العقل المنطقي والفلسفي ينتقدهم انتقاد الأنداد. وكان بين المحدثين حافظا حتى قيل : كل حديث لا يعرفه ابن تيمية ليس بحديث. وكان بين الفقهاء أصوليا فروعيا مجتهدا. وكان أمامَه واقع تميز بالسلطان المتخاصم مع القرآن، سلطان المماليك الذين يشجعون كل من يُثَبِّت ملكهم، ويقصدون للتبرك والدعاء كل من اشتهر بالصلاح والتقوى. فراجت في السوق المملوكية بدع وخرافات.وكانت لشيخ الإسلام واجهات أخرى قاتل فيها، منها واجهة الروافض الذين لم تنس الأمة ضلوعهم مع التتار في دخول بغداد، ومنها واجهة الهجوم التتاري المتواصل.
فارس قاتل على كل الواجهات، شجاع واسع الأفق. سَعَةُ اهتماماته وغزارة علمه، ومضاؤه في العمل تؤهله بحق أن يصنَّف مع عظماء مجددي هذه الأمة. واستمرار اجتهاده وتلاحمه مع الواقع عقودا من السنين منذ حداثة سنه جعل من مواقفه المكتوبة بقلمه والمسجلة في تاريخه الحافل مجموعة من المقالات منها الصواب الذي استقر عليه، ومنها الناقص الذي كتبه ناقصا في وقت وكمله في وقت آخر، ومنها السهو الذي نُقل إلينا على حاله، ومنها الخطأ الذي صوبه فيما بعد، ومنها الخطأ الذي أصر عليه كما يُصر المجتهد الصادق ويؤجر على اجتهاده.
ومنها فوق كل شيء ما هو راجع إلى شذوذ الرجل وتفرده من بين الحنابلة، وهم أهل الحديث والمواقف المشرفة المعارضة، بآراء خرج فيها على الإجماع.
فيأتي في زماننا رجال قرأوا كتب ابن تيمية وابن عبد الوهاب رحمهما الله، لم يقرأوا غيرها. ويتبنَّون جملة واحدة مجموع مقالات العالم الفذ المجدد الشاذ أحيانا دونما اعتبار لظروف الرجل.سماء مجردة عن أرضية التاريخ البشري، وعن طبيعة الجدل بين الأقران المتعاصرين، وعن اعوجاج النيات والمقالات في حُمَّى الخلاف وأتونِ المناظرات والمحاكمات التي عقدت للرجل الفذ، يقاتله جمهور الفقهاء والصوفية والأمراء متضافرين متآزرين، حتى سجنوه مرات واضطهدوه، فمات رحمه الله في الحفرة.
نبذوا علم الرجل الواسع، لم يحتفظوا منه إلا بنصوص خاصة منتقاة بعناية لتكون منهجية قتالية. قاتل هو بدَعا حية، وهم يقاتلون أوهام البدعة. لم يبق مجال لتفصيل البدع والدينُ مخترق من أقصاه إلى أقصاه. البدع منكر ناتِئٌ خارج من بساط كلُّه معروف. البدعة حنظلة وشوكة وسط زرع صالح. أما والمجتمعات الإسلامية أصبح فيها المنكر هو المعروف وهو الأصل، والمعروف حالات خاصة غريبة! أمَّا والحقل كله شوك وحنظل فما بالك تصب جامَّ غضبك على القمحة المسكينة نبتت في بيئة حنظلية شوكية! اسقها وتعهدها وأصلح لها التربة، لا تُحرقها بنفَسك الملتهب.
اتخذوا شذوذ الرجل الفردي منهاجا فظلموه وظلموا أنفسهم، لا سيما عندما يضربون صفحا عن كتابات الرجل في السلوك ليحتفظوا بمقالاته الحربية يُسعِّرون بها الخلاف على الصوفية.
قال الشيخ الدكتور سعيد رمضان البوطي (أرجع إلى كلمته الصادعة)، وهو من خاض مع التيميين معارك ساخنة يعرفهم المعرفة التامة: "الحقيقة التي لا ريب فيها أن ابن تيمية رحمه الله قد ظُلم من قِبل هؤلاء الناس. لقد ظُلم من قِبلهم مرتين. المرة الأولى أنهم نسبوا إليه، بسبب جهلهم أو بسبب أغراضهم التي يتأبّطونها، ما لم يَقُلْه وما لم يخْطُر منه على بال. فقد صوروا منه عدوا للتصوف، وهو من أبرز المنافحين عنه والداعين إليه، والقائلين بوجوب الانخراط في منهجه التربوي على كل مسلم. والمرة الثانية أنهم صبغوه بذلك في تصوُّر كثير من الناس، بل حتى العلماء الباحثين السطحيين، بصبغة المنكر لهذا الذي ثبت أنه من جوهر الإسلام ولُبابه، والمنقِّصِ لكل من سار في هذا الطريق وسلَّك الناس في طريق تزكية النفس. حتى غدَا اسم ابن تيمية عند عامة الناس رمزا لمحاربة هذا السبيل الإسلامي القويم. مع أن الرجل كان، كما قد ظهر لنا من الرجوع إلى أقواله وواقع ترجمته، على النقيض من ذلك. أما إنكاره للبدع التي علقت به والانحرافات التي أدخلت عليه، وما ظهر من اهتمام بالغ له في شأنها، فإنه لا يدل في الحقيقة إلا على مبلغ تعلقه بالتصوف الحقيقي السليم وعلى مدى غيرته عليه أن يُدَنَّس بشيء من الزَّغْل والبدع والأباطيل".
كان شيخ الإسلام عالما متفردا شديد الشكيمة، حتى أخص أحبائه وتلامذته كانوا يعرفون ذلك ويكرهونه له، لكن شخصية الرجل القوية وهيبته في نفوسهم منعت من أن يحوِّلوه إلى شيء من الاعتدال. لا أريد أن أُفيض في ذكر معاركه مع الشيخ الإمام تقي الدين السبكي فيما سمي بـ "مسائل ابن تيمية" وما اتُّهم به وأُلزِم من القول بالتجسيم، وما أُخِذ عليه من الاجتهاد الشاذ في الفقهيات، وما تنابز به مع خصومه الأشاعرة هو يسميهم جهمية وهم يسمونه وأصحابه حشوية. آخذ من الحنابلة أنفسهم شهادة ليضع كل ذي لُب واستقامة الأمور في نصابها والرجل في نسبيته الزمانية المكانية الظرفية الخلافية.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في ترجمة عِماد الدين الواسطي الذي كان يعظم ابن تيمية تعظيما كبيرا: "كان (أي الواسطي) هو وجماعة من أصحابه ربما أنكروا من الشيخ كلامه في بعض الأئمة الأكابر الأعيان، وفي أهل التخلي والانقطاع (يقصد الصوفية) ونحو ذلك. وكان الشيخ رحمه الله لا يقصد بذلك إلا الخير والانتصار للحق. وطوائف من أئمة أهل الحديث وحفاظهم وفقهائهم كانوا يحبون الشيخ ويعظمونه. ولم يكونوا يحبون له التوغل مع أهل الكلام ولا الفلاسفة، كما هو طريق أهل الحديث المتقدمين كالشافعي وأحمد(...). وكذلك كثير من العلماء من الفقهاء والمحدثين والصالحين، كرهوا له التفرد ببعض شذوذ المسائل التي أنكرها السلف على من شذ بها حتى إن بعض قضاة العدل من أصحابنا (الحنابلة) منعه من الإفتاء ببعض ذلك".
ثم ينقل ابن رجب عن الذهبي قوله: "ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية. واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يُسبق إليها. وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا. وجسر عليها هو". جسارة ابن تيمية له لا عليه إن شاء الله الغفور الرحيم. فالرجل كان مع جسارته في الاجتهاد "دائم الابتهال، كثير الاستغاثة والاستعانة بالله، قوي التوكل ثابت الجأش" كما قال الذهبي تلميذه الجسور. رحم الله الجميع وهدى التلامذة الحرفيين لما فيه الخير.
شاهَدَ القَرنانِ السابع والثامن نهضة حديثية، من شيوخ الحفاظ فيها الإمام التقي السبكي خصْمُ ابن تيمية. سمع منه الحديث الجهابذةُ المزي والذهبي والبَرْزالي، ثم "جرهم" إليه الحافظ ابن تيمية في معركته. ومع هذا فهم جميعا كانوا أهل فضل وبَقوا أهل فضل. والذهبي اللامع في سماء الحفاظ والنقاد لم ينس شيخه السبكي ولم يتنكر له. وقد قال فيه: "الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء(...) كان صادقا ثبْتا خيراً دَيِّنا متواضعا حسن السمت من أوعية العلم".
2.الحنابلة أهل الحديث:
ظهر بعد عصر التابعين وتابعيهم الكذبُ، واختفى في العامة الحُثَالَةِ حسب التعبير النبوي ذلك الصدق الفطري الذي وصفه الله تعالى بقوله: )رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا( (سورة آل عمران، الآية: 193). خرجت طوائف مبتدعة أَجْفَل منها الصادقون، وتبرءوا منها منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم. لم يكن من رأي السلف الصالح في الصدر الأول من الإسلام أن يناظروا أحدا في الدين ولا أن يجلسوا للجدل، بل كانوا يقاطعونهم ويبغضونهم ويرون أن طريقهم مسلك مظلم يوشك من اقترب منهم أن يتوغل فيه فلا يهتدي بعدها. وكان السلف الصالح شديد المقت للمجادلين في الدين، خاصة القدرية. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهو كان عالما مجتهدا قبل أن يلي "الخلافة": "ينبغي أن نتقدم إليهم فيما أحدثوا من القدَر، فإن كفوا وإلا استُلَّت ألسنتهم من أقفيتهم استلالا". وقال: "من جعل دينه غرَضا للخصومات أكثر التنقل". وكثرة التنقل في عبارته تعني التحول في العقيدة والاضطراب فيها والزيغ مسايرة للمجادل المخاصم.
فما جاء القرن الخامس حتى طم الجدل في الدين، وعمت الخصومة فيه، وقل أمثال الإمام أحمد بن حنبل الذي قاوم المعتزلة المعزَّزين بسلطان المامون والمعتصم العباسيين، وتحمل الأذى والشدة في الدين في قضية قول الإسلام الرسمي المعتزلي بخلق القرآن، أكره على هذه المقالة الشائنة البائنة علماء الأمة بالنار والحديد.
في القرن الرابع ظهرت البدع أيما ظهور،وعلا نجم الفلاسفة والملاحدة الزنادقة حتى أصبحت البدعة رائجة رواجا. أصبحت نقدَ الوقت وعُملته. وفي مواجهة هذا الطاغوت الفكري، الموازي المساير للطاغوتية في الحكم، ظهر المتكلمون المجادلون عن الحق بالبرهان العقلي والدليل. عم في الناس التيار العقلاني لما استعجمت الحياة العامة تحت سيوف بني بويه والسلاجقة، واستعجمت الألسن والقلوب. وغلا المتكلمون غلوا شديدا وأسرفوا حتى كفروا الزنادقة بحق وكفروا معهم العامة من المسلمين، "وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا، ولم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حررناها فهو كافر.
ويقول أبو حامد: "من ظن أن مَدْرَك الإيمان الكلامُ والأدلةُ المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد. لا! بل الإيمان نور يقذفه الله في قلب عبده عطية وهدية من عِنْده، تارة بتنبيه من الباطن لا يمكن التعبير عنه، وتارة بسبب رؤيا المنام، وتارة بمشاهدة حال رجل متدين وسراية نوره إليه عند مجالسته وصحبته.(...)، فقد جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاحدا منكرا، فلما وقع بصره على طلعته البهية فرآها تتلأْلأُ منها أنوار النبوة قال : والله ما هذا بوجه كذاب!".
في القرن الرابع عقب القرون الثلاثة الفاضلة ظهر رجل من عظماء الأمة اسمه أبو الحسن الأشعري. عاش أربعين سنة مع المعتزلة القدرية يصوغ الأقيسة ويستدل بالاستقراء والتماثل، ويبني "القضية الكبرى" على الصغرى حتى أصبح واحدا من ألمع تلامذة الجبائي، أحد زعمائهم. ثم اهتدى، وبه اقتدى من بعده جمهورُ علماء الملة، خلا طائفة من الحنابلة أهل الحديث أشهرهم ابن تيمية ومدرسته. حتى الإمام الغزالي لم يخرج عن المذهب الأشعري إلا في مسائل قليلة كفره من أجلها بعض الأشاعرة المتعصبين.
كان لا بد من إقامة سدٍّ عقلي أمام هجوم العقلانية الفلسفية الزندقية لحماية الدين والدفاع عن المعتقدات التي نقلها عن السلف أجيال من العلماء عانوا الأمرَّيْنِ من اضطهاد الحكام واستعجام العصر. وأكثر ما كان نفعُ الصياغة الأشعرية والماتوريدية لخاصة العلماء المتفرغين للجدل ولعامة المسلمين الذين يسمعون المقالات البدعية الفلسفية فيحارون، فيجيئون العالم المتكلم ليكشف عنهم غمة الشك. أما من اشتد مِراسُهم من المبتدعة والزنادقة فجلوس المتكلم المجادل معهم يغذي غرورهم ويزيدهم تمسكا بضلالتهم.
دافع أبو الحسن الأشعري، ومثله الإمام أبو المنصور الماتريدي مع خلاف يسير، عن ما جاء من عقائد في الكتاب والسنة بكل وسائل الإقناع العقلي وإلزام الخصم بالحجة العقلية والنقلية. وسلك في مسائل الصفات مسلكا وسطا بين الجهمية والمعتزلة المعطلين وبين المشبهة والحشوية المجسمين. كما سلك في "أفعال العباد" مسلكا وسطا بين المعتزلة الذين يقولون بخلود مرتكب الكبيرة في النار وبين المرجئة الذين يقولون بأن الإخلاص لله لا تضر معه كبيرة.
استعمل الأشعري، وكان من السادة الصوفية كما قال ابن السبكي، أسلحة المتكلمين المعتزلة العقلية وأسلحة أهل الحديث النقلية وبين جوانحه قلب ذاكر وإرادة ومحبة. غَلب على علمه العقلُ من حيث غلب القلبُ على علم الغزالي. وكانت الموازنة بين الإرادة الصوفية والعقل الكلامي والنقل القرآني الحديثي عند ابن تيمية في تركيبة أخرى غلب عليها طابع النقل، وحاول صاحبها أن يثبت للناس ما كان هو يعيشه في خاصة إيمانه من أن العقل الرجيح يطابق النقل الصحيح والذوق السليم.
متكلم صوفي تلميذ للحفاظ، وصوفي كبير متكلم على حظ غير كبير من النقل، وحافظ ناظر على "قدر مشترك" مع الصوفية. الأشعري والغزالي وابن تيمية رحمهم الله أعلام نيرة في سماء الإسلام.
كل منهم نافح عن الدين، وبارز طوائف الفلاسفة والمناطقة (باستثناء أبي حامد الذي عيب عليه تشبثه بالقياس المنطقي) وطوائف القرامطة والباطنية والروافض وسائر أهل الأهواء والنِّحل الفاسدة. من هذه الطوائف من لا يقطعه النقل، فسلّوا عليه صوارم العقل والبرهان. وجدير بمن أمسك في يده حساما صدئا أن تتصدَّأَ يداه. فالغزالي لاموه على قوله باتخاذ المنطق وقياسه الصوري الأرسطي منهاجا. والأشعري رماه ابن حزم وابن تيمية وغيرهما بأنه من الجبرية الزائغين. وابن تيمية لما توغل في جدال الفلاسفة والمناطقة اضطر أن يتناول من حيث تناولوا فقال مقالة في قدم العالم لم يقلها أحد من أهل الاستقامة.
مستند الحنابلة أهل الحديث في تبديعهم للأشعري والأشاعرة أن الأشعري يؤول في الصفات.حتى أن ابن تيمية صنف الأشاعرة في الصف الخامس من أهل الزيغ، مع الباطنية المعطلة، والفلاسفة، والاتحادية القائلين بوحدة الوجود، والمعتزلة المنكرين لصفات المعاني.
إذا علمنا أن جمهور علماء الأمة، منذ القرن الرابع، على مذهب الأشعري في الدفاع عن العقائد تبين لنا خطورة القول بزيغ الأشعرية. يقول سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام: "إن المالكية والشافعية والحنفية وفضلاء الحنابلة أشعريون".
ويقول المحدث الحافظ ابن عساكر: "هل من الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية إلا موافق للأشعري، ومنتسب إليه، وراض بحميد سعيه في دين الله، مُثْنٍ بكثرة العلم عليه، غير شرذمة قليلة تُضْمِر التشبيه وتعادي كل موحد يعتقد التنزيه، وتضاهي قول المعتزلة في ذمه، وتباهي بإظهار جهلها بجانب سعة علمه؟".
برز ابن تيمية من بين الحنابلة الذين انضمت قلوبهم على كَمَدِ فتنة الإمام الجليل أحمد بن حنبل وتعذيبه وجلده على يد المامون والمعتصم.ونبغ ببيانه وقوة عارضته ومتانة شخصيته. فكان كنقطة بيان وإعلان في أوج المشاغبة الحنبلية المستديمة في وجه السلطان ومن معه من جمهرة فقهاء المذاهب الفقهية الأخرى. يجمع هذه المذاهب في نظر أهل الحديث الحنابلة إجماعُها على الأشعرية الماتوريدية في العقائد، وشبه إجماعها على التصوف من حيث كونه السلوك الأخلاقي الروحي الضروري لكل طالب للحق.
وطفق الفريقان من أهل الحق، الحنابلة من جهة، ما خلا ابن الجوزي المؤول، وسائر العلماء من جهة أخرى، يختصمون في أخبار الصفات، وفي الاستواء على العرش وحقيقته، وهل تثبت الصفات بما تثبت به الذات أو بشيء زائد، وهل النص المروي بخَبر الآحاد تثبت به عقيدة، وهل تُحمل الأخبار الصفاتية على الحس أو على المجاز،وهل نؤول بعض تلك الأخبار أو كلَّها لنعرف كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، ولنعرف كيف يأتي الله عز وجل إلى عبده هرولة إذا جاء العبد إليه يمشي، وهل القول بالجهة في حق الباري جل وعلا يُلزم القول بالجسمية أم أن اشتراك الحق سبحانه في الصفة مع العبد اشتراك في الاسم لا في الحقيقة.
في قضية التشبيه والتنزيه قضى علماء الأمة زمانا في الجدل والخصومة. لكل فريق من أهل الحق، ما بين صوفية أشاعرة وفقهاء مناظرين ومحدثين أثريين، خيارُه وعيارُه، وحظه من العقل والنقل والإرادة. سفينة الأمة اختلف على مقادتها ربابنَة متَعَددو الوجهات والنيات والقدرات.كل يدعو إلى اجتهاده ومَبْلَغ علمه، مخلصا مصيبا مرة مخطئا أخرى،ولم يخل الجو أبدا من أصحاب النعرات والنفاق والتعصب والمسابقة إلى الرئاسات والمِنَح والمناصب بالتزلف إلى الحاكم السائر برياح هواه. البشرية لم تتعطل، والشيطنة الجنية والإنسية لم تُعزل.
أنماط من التفكير، وألوان من المذهبيات، واختلاف في الأهداف والأساليب. انتقضت عروة الحكم بعد ثلاثين سنة من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانفرطت ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، وذات البَيْن الحالقة للدين، حبّاتُ العقد الإسلامي، وانفرطت جامعة الإيمان السمحة التي جاء بها الوحي بغياب وازع السلطان.اشتغل السلطان العاض، الذي يمثل في تاريخ الإسلام بدعة أعظم بدعة، بحرب القرآن وأهل القرآن. وأعانه هؤلاء على أنفسهم بالخصام والتراشق.
أفنبقى، ونحن على أعتاب الخلافة الثانية إن شاء الله، أسرى التجربة الخلافية التي خاضتها الأمة ؟ من أين نبدأ ؟ وما السبيل إلى إيمان لا إله إلا الله، وعصمة "قل ربي الله ثم استقم" وفلاح )رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا( ؟(سورة آل عمران، الآية: 193).
3. إيمان الصوفية :
في محيط النقل لا خارجه كان لكل من الفقهاء الأشاعرة والمحدثين الحنابلة والصوفية الذاكرين "تنقلات"، حسب تعبير عمر بن عبد العزيز، حسب ما عند كل من نبضات قلبية وقدرات عقلية. لم يكن أحد من المعترضين على الصوفية يعترض على أصل التصوف، بل كان الكل يعتبر الصوفية جزءا لا يتجزأ من أهل السنة والجماعة. ولا كان الحنابلة المحدثون يعدون الأشاعرة فرقة خارجة عن أهل السنة والجماعة كما يفعل بعض قراء ابن تيمية في زماننا. فرغم خلاف ابن تيمية الشديد للأشاعرة وجولاته معهم، كان يحصر الخلاف في ثلاث مسائل يعدهن أمهات الخلاف : وصف الله بالعلو على العرش، ومسألة القرآن، ومسألة تأويل الصفات. كان هو في مسألة الاستواء على العرش يشير إلى الجهة فيلزمه الخصوم باعتقاد التحيز المُلزم للتجسيم. ومسألة خلق القرآن كانت من الرواسب الاعتزالية، لا يقول بخلق القرآن أحد من الأشاعرة إلا إن دخل الجدل في اللفظ والكتابة. أما في تأويل الصفات فيحمل ابن تيمية حملاته الشعواء، ويحكي قول أعداء الأشاعرة فيهم، متبنيا مقالات السوء. قال: "يقولون إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة، والأشاعرة مخانيث المعتزلة. وقال يحيى بن عمار: المعتزلة الجهمية الذكور، والأشاعرة الجهمية الإناث".
كان له تفصيل ما بين "الأشاعرة الجهمية" الذين فيهم بقايا من التفكير الاعتزالي وبين الأشاعرة الأشاعرة الخُلص. هؤلاء عنده ناجون. يقول: "وأما من قال منهم (الأشاعرة) بكتاب "الإبانة" الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة. لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة".
وهنا ندخل إلى إيمان الصوفية. من كان من العارفين المفتوح عليهم لا ينتمي إلى الأشعري ولا إلى غيره. ذلك يعلمه الله اقتضاء لوعده الكريم: ) وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( (سورة البقرة، الآية: 282). وعقيدة الشيخ عبد القادر قدس الله روحه كما كتبها في "الغنية" لم تلق عند ابن تيمية الحافظ إلا القَبول التام، كما لا تلقى عند الأشاعرة إلا القبول التام، لمّا تنزهت عن الألفاظ الفكرية الكلامية المفرقة الخصومية.
علماء أكابر آخرون، ممن لهم "قدر مشترك" مع الصوفية وتلمذة وصحبة لا يرون في صياغة الأشعري أي تناقض أو تباعد مع العقيدة السنية. يقول سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام بعد أن كتب عقيدته محررة: "ولا يخرج عن هذا الاعتقاد مَلَك مقرب ولا نبي مرسل، ولا أحد من أهل الملل إلا من خذله الله فاتبع هواه وعصى مولاه. أولئك قوم قد غمرهم ذلُّ الحجاب، وطردوا عن الباب، وبعُدوا عن ذلك الجناب. وحق لمن حجب في الدنيا عن إجلاله ومعرفته أن يحجب في الآخرة عن كرامة رؤيته:
ارْضَ لمن غاب عنك غيبته فـذاك ذنـب عقــابه فيـه

ثم قال: "فهذا إجمالٌ من اعتقاد الأشعري رحمه الله تعالى واعتقاد السلف وأهل الطريقة والحقيقة، نِسْبَتُهُ إلى التفصيل الواضح كنسبة القطرة إلى البحر الطافح".
يعرفه الباحث من جنسه وسـائر النـاس له منكـر

انتهى كلامه.
كتب عز الدين كلامه قبل أن تطلُع بارقة ابن تيمية. (توفي رحمه الله وابن تيمية في صباه الأول)، وقبل أن يشهر ابن تيمية سلاح "لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة". سلطان العلماء في زمانه ارتكب هذه "البدعة" وشهد أن اعتقاد الأشعري هو اعتقاد أهل السنة واعتقاد أهل الطريقة. معناه أن الصوفية هم أهل سنة، وأهل السنة هم الأشاعرة والصوفية. خارج السياج الحنبلي، قبل ابن تيمية وبعده، كان الصوفية والمتكلمون من أهل السنة ومنهم الأشاعرة يُعتبرون هم أئمة التوحيد. قال البغدادي في أوائل القرن الخامس: "الجنيد شيخ الصوفية وإمام الموحدين له في التوحيد رسالة على شرط المتكلمين وعبارة الصوفية. ثم بعدهم شيخ النظر وإمام الآفاق في الجدل والتحقيق أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري الذي صار شجاً في حلوق القدرية والنجارية والجهمية والجسمية والروافض والخوارج. وقد ملأت كتبه الدنيا. وما رُزق أحد من المتكلمين من التَّبَع ما قد رزق، لأن جميع أهل الحديث، وكل من لم يتمعزل من أهل الرأي على مذهبه".
رحم الله البغدادي، لو استثنى من أهل الحديث الأئمة جماعة الأفاضل الحنابلة الذين كانوا قبل ابن تيمية أقلية متحركة غير ذات شأن. لو استثناهم! وأنى له أن يعرف أن الأشعري الذي كان شجاً في حلوق الطوائف الضالة سيصبح اسمه يوما رمزا للبدعة عند طائفة من المتوترين!
خاض الأستاذ القشيري الصوفي الأشعري معارك حامية دفاعا عن الاعتقاد الأشعري قبل ابن تيمية، معارك حمل فيها على صولجان الحاكم ومظاهرات الحنابلة بمسبحة المربي وخُطَبِ العالم الجليل من على منبره.
اعتقاد الصوفية العارفين وتلامذتهم هو التفويض، يُمضون ما أخبر الله به عن نفسِه ورسولُه كما جاء، لا يسألون ولا يؤولون. لكن إذا نبع مُعاند لجأ من كان منهم مبتلى بمعاشرة الخلق إلى أسلحة الأشعري الجدلية ليدافع عن الحق ويحرِّر عقائد العامة من المسلمين.
عقيدتهم التفويضية عبَّر عنها واحد من أجلة السلف الإمام الشافعي حيث قال رَضي الله عنه: "آمنت بالله وبما جاء عن الله بمراد الله. وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم".
تعلم الإمام العظيم الشافعي من الصوفية أن لا يضيع الوقت فيما لا يعني، وتعلم منهم الاشتغال بالحق عن الباطل. قال رحمه الله: "صحبت الصوفية فما انتفعت منهم إلا بكلمتين: سمعتهم يقولون: الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل". قال شيخ الإسلام ابن القيم الحنبلي بعد أن أورد كلمة الشافعي: "يا لهما من كلمتين ما أنفعهما وأجمعهما وأدلهما على علو همة قائلهما ويقظته! ويكفي في هذا ثناء الشافعي على طائفة هذا قدر كلماتهم".
العالم الظريف المتلطف ابن القيم تقرأ ما بين سطوره أسى عميقا على الوحشة التي أحدثها الاضطراب الحنبلي والقتال التيمي في صفوف أهل الحق من محدثين وصوفية وفقهاء أشاعرة. لا يألو جهداً في تقريب الشقة. واقرأ على هامش نصه هذا عن تمجيد الصوفية بواسطة شهادة الشافعي تعليق "محقق" الكتاب لترى كيف يحمل الوهابيون التيميون في عصرنا مشاعل الإحراق والفراق.
كان الصوفية على مذهب مالك رضي الله عنه حين سئل عن قوله تعالى: "الرحمن على العرش استوى" كيف استوى؟ فأطرق مالك حتى علَته الرُّحَضاءُ، ثم قال: "الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". ثم أمر بطرد السائل. في زمانه رضي الله عنه كان السائلون هذه الأسئلة البدعية أفرادا، ومن بعده صارت الأسئلة البدعية الشاكة المشككة طوفانا. صارت طاعونا. صارت كلمة العصر ومقالته وهاجسَه. لهذا اجتمع أهل الحق على سفينة الأشعري ينقذون بها الأمة من الغرق، وأخذوا من صيدليته وطبه علاجا، ومن كلامه حجة.
كان الصوفية المتحررون من التقليد، العارفون، أكثر الناس تمسكا بالكتاب والسنة. ومنهم يتعلم التلامذة الإخلاص المطلق لله ورسوله، وصدقَ الاتباع لله ورسوله. من زعم الانتساب إلى الطائفة فمعيار صدقه وإخلاصه وصوابه مقدار ما عنده من حرمة للقرآن والسنة. قال ذو النون المصري رحمه الله: "من علامة المحب لله متابعة حبيب الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأوامره". وقال الجنيد: "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقال: "من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لايقتدى به في هذا الأمر لأنَّ علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة". وقال: "مذهبنا هذا مشيد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقال أبو عثمان الحيري: "الصحبة مع الله بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة والصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته ولزوم ظاهر العلم". وقال: "من أمَّر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة. قال الله تعالى ) وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا( (سورة النور، الآية: 54)".
كلام العارفين بالله في الاعتصام كثير. أولئك سجِّلوا في زمام الأولياء، وفتح الله أقفال نفوسهم وعين قلوبهم فعرفوا يقينا أنَّ ظاهر ما نطق به الكتاب ونطقت به السنة مطابق لما تكتشفه أنوار القلوب يوم ينورها الله فضلا يتفضل به على الذاكرين. أما من ركبه هواه، وأُوغِرَ صدره على العالمين، وتوترت علاقاته بالمسلمين لفساد علاقته بالله، فبأي عقل وبأي إرادة، وفي أيِّ إطار، وبأي عيار يبدع المسلمين ويتكلم في عقائد الأولياء؟
أنت الخبير بما تنزل الهمم وتهبط المدارك وتقسو القلوب من ترك ذكر الله. أنت الخبير إن كنت من الذاكرين. وإن لم تكن فاسمع عسى ينفعك الله بالسمع.
قال ابن حجر الهيثمي رحمه الله: "حاش لله ومعاذ الله أن يُظن بأحد من الصوفية المذكورين في رسالة القشيري وعوارف المعارف وغيرهما من كتب الأئمة الجامعين بين علماء الظاهر والباطن شيء مما يخالف عقيدة أهل السنة والجماعة".
وقال الشاطبي رحمه الله: "يُفهم شأن المنقطعين إلى الله فيما امتازوا به من نِحلتهم المعروفة (التصوف). فإن الذي يظهر لبادي الرأي منهم أنهم التزموا أمورا لا توجد عند العامة، ولا هي مما يلزمهُم شرعا. فيظن الظان أنهم شددوا على أنفسهم، وتكلفوا مالم يكلَّفوا، ودخلوا على غير مدخل أهل الشريعة. وحاش لله! ما كانوا ليفعلوا ذلك وقد بنوا نحلتهم على اتباع السنة. وهم باتفاق أهل السنة صفوة الله من الخليقة".
الصوفية صفوة الله، أولياء الله، معهم جوهر الإسلام ولُب الإيمان، وطريقهم طريق العرفان. فبأي ظن التقطته من كتب الخلاف تأتي أنْتَ لتحكم ببدعة هؤلاء وأولئك! قم! لا ناقة لك ولا جَمل في هذا السوق! فضولك وتطفلك وسطحيتك وجُرأتك على حُرَم الله مُرْديات ستقضي عليك. ستعلم غدا يوم لاتَ حين مناص من قضى عمره في البطالة، ومن اشتغل بالباطل عن الحق، ومن أثث حياته بفراش الشك، وزينها بحُلِيِّ التهمة، وألبسها لباس الزور!.
الفقرات الثلاث مقتبسة من كتاب الإحسان للتذكير ، للشيخ عبد السلام ياسين
avatar
عمرسعيدالحسني
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 20
العمر : 46
الموقع : www.manthoor.com
المزاج : معتدل هادئ محب للحوار
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف عمرسعيدالحسني في السبت 10 ديسمبر 2011 - 20:30

قول الشيخ عبد القادر الجزائري في كتابه المواقف الروحية : ( ....فالقلم الأعلى ، وهو العقل الأول .و النفس الكلية ، وهو اللوح المحفوظ ، و سائر الأرواح العلوية و السفلية من دواته تكتب ، و بعينه تبصر ، ومن مشكاته تنظر. فهو بكل شيء عليم ، بيده مفاتيح الخزائن الإلهية ، وكل ما ظهر في العالم مطلقا فلا يظهر الاسم الإلهي إلا عن إذن محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن قيل : مالفرق بين علمه صلى الله عليه وسلم و بين علم الحق سبحانه وتعالى في مقام الفرق؟ قلنا : هو أنه الله تعالى علم الأشياء ، وهي في العدم ، لا عين لها في الوجود بوجه من الوجوه ، وهو صلى الله عليه وسلم إنما علم الأشياء ، بعد أن صار لها ضرب من الوجود وهو الوجود العلمي .فإنه ما علمها إلا وهي موجودة في علم الحق تعالى.وعندما اتصل روحه العليم بجسمه الكريم ، الذي هو مركب من الطبيعة التي هي بين النور و الظلمة ، أمره الحق تعالى أن يطلب ربه زيادة العلم ، وذلك بإمداد الروح المحمدي ، للنفس الأحمدي العظيم ، فهو يمد بوجه و يستمد بوجه. كما أن جبريل فيما ياتي به من الوحي و العلوم ، يستمد منه صلى الله عليه وسلم بوجه ، و يمده بوجه. و المأمور بطلب الزيادة منه ، ليس هو علم الأحكام من حلال وحرام ، فقد تبث في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يكره كثرة السؤال عن الأحكام الشرعية ، شفقة على أمته ، و رفقا بهم. و إنما العلم المأمور بطلب الزيادة منه هو العلم الحاصل في التجليات الإلهية ، فإذا وقع التجلي لظاهر النفس أدركت علوم الأكوان و ما يتعلق بها ، و إذا وقع التجلي لباطن النفس أدركت الحقائق و المعاني المجردة عن العلوم الإلهية، وما يتعلق بالآخرة.أما علمه صلى الله عليه وسلم بربه ، فأنه علم علم الأولين قبله ، أي قبل اتصال روحه بجسمه الشريفين صلى الله عليه وسلم ، و الآخرين بعده ، في كل ما خلق الله تعالى كما أخبر بذلك عن نفسه في حديث الضربة.وأما علمه صلى الله عليه وسلم بالعالم ، وهوكل ما سوى الحق تعالى .فالعلم على ضربين :ضرب وجدت أجناسه و أنواعه و بعض أشخاصه و أفراده ، و لأفراده نهاية كالنوع الإنساني مثلا ، فهذا الضرب يعلمه صلى الله عليه وسلم تفصيلا ، لأنه صلى الله عليه وسلم علم جميع الأسماء المتوجهة على إيجاد العالم ، كلياتها و جزئياتها. وما من حقيقة كونية إلا وهي مرتبطة بحقيقة جزئية إلهية مستندة إليها. و لاجزئية كونية إلا وهي مرتبطة بحقيقة جزئية إلهية ومستندة إليها.
لابد من ذلك ، و قد علم صلى الله عليه وسلم الأسماء ، فالأحرى آثارها ، فإن آدم عليه السلام الذي هو قطرة من بحره ، وجزء من كله ن علمه الله الأسماء كلها. فكيف به صلى الله عليه وسلم ؟.
و الضرب الآخر من العالم ، وجدت بعض أجناسه و أنواعه و بعض أشخاصه ، لا نهاية لأفراده و أشخاصه. فهذا الضرب الذي لا تتناهى أفراده أبد الابدين ، ودهر الداهرين يعلمه صلى الله عليه وسلم غير متناه؛ فإنه أخبر أنه أوتي جوامع الكلم ، و كلمات الله لا تنفذ، بمعنى مقدوراته ومراداته. فقد أعطي صلى الله عليه وسلم علم ما لايتناهلى إجمالا ، كما أعطي علم ما يتناهى تفصيلا ، خصوصية له صلى الله عليه وسلم فأنه ما أعطي مخلوق علم جميع العالم : أجناسه و أنواعه و اشخاصه ، ما يتناهى منه و ما لايتناهى منه غيره صلى الله عليه و سلم ، فإن الممكنات لا نهاية لها ، فما ثمة موجود آخر ، بل وجود مستمر. فليس الأشخاص متناهية في الآخرة ، و إن كانت الدنيا متناهية. فالممكنات لا نهاية لتكوينها .و معنى علم ما لايتناهى و لم يدخل في الوجود هو أجناس العالم قد وجدت و تناهت، ووجدت من كل جنس و نوع بعض اشخاصه و أفراده.فالعلم بحقائق الأجناس و الأنواع و بعض شخصياتها و أفراد جزئياتها علم بكل شخص وفرد ، و إن لم تتناه ، و لادخلت في الوجود بعد؛ لأن مالم يوجد هو مثله لما وجد .
و المثلان هما المشتركان في الصفات النفسية. وعروض بعض العوارض غير الذاتية ؛ لبعض أفراد النوع ، غير قادح في العلم بالشيء. فإن الإختلاف في العوارض الذاتية فإنما هو من الأمزجة القابلة ،لا من الحقائق. فالعلم عند المحققين لا يتعلق بالموجود ، و تعلقه بالمعدوم إنما هو لتعلقه بمثله الموجود. وكل ما في الخزائن الإلهية ، مما لا يتناهى فهو مثل ما وجد و علم .بل الحق صلى الله عليه وسلم علم العالم أزلا ، من علمه بنفسه ، وهو موجود ، و العالم معدوم أزلا ، فمن علم الحقيقة و شخصها واحدا من تلك الحقيقة فقد أحاط علما بجميع أشخاص تلك الحقيقة و ذلك الجنس ، فإنه ما ثم إلا أمثال و صور تعقب صورا ، و العلم يسترسل عليها قبل تفصيلها لأنها لو تفصلت لتناهت ؛ إذ التفصيل مسلتزم للتناهي ضرورة.فلو قيل : علمها مفصلة حالة إجمالها ، ما علمها ؛ إذ العلم لا يكون علما إلا حتى يكون تعلقه بما هو المعلوم عليه إجمالا و تفصيلا ، و المعلوم هنا غير مفصل ؛فأحاط صلى الله عليه وسلم علما بحقائق المعلومات المتناهية و غير المتناهية ، و علم أجناسها و أنواعها على التفصيل ، و بعض شخصياتها و جزئياتها كذلك ، و علم ما لايتناهى من الأفراد و الجزئيات على اإجمال ، وهذه صفة إلهية لم تكن لغير صلى الله عليه وسلم.فإن قيل : ما الفرق بين علمه صلى الله عليه وسلم و علم الحق بما لا يتناهى ؟ قلنا :هو أنه تعالى علم التفصيل في الإجمال ، وهو صلى الله عليه وسلم علم الإجمال في التفصيل .فالقول بانه صلى الله عليه وسلم علم ما كان و سيكون حق و صدق.و كذلك يعلم صلى الله عليه وسلم جميع المصالح الدنيوية ، مما تدعو إليه ضرورة حياة الدنيا.فإنه صلى الله عليه وسلم بعث لعمارة الدارين : الدنيا و الآخرة.)ص 103.104.105.106.من كتاب المواقف الروحية.
يقف العلم عاجزا أمام ما كان عليه أولياء الله تعالى من العلم بالله و برسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي وضعهم لهذا القواعد في قالب علمي روحي رصين. ولعل ما قرأناه و كتبناه في شرح هذه الصلاة القلبية على الحبيب صلى الله عليه وسلم و نحن في مقالها العاشر.أي علم و أي توجه و اي إرادة تكون لطالب الحق تعالى ، وهويرتشف من أولياء الله تعالى وخذام حبيبه صلى الله عليه و سلم اطايب الكلام ، حول جانب عميق في الذات النبوي الشريفة و أهم سماتها و هي العلم.
و لقد توارث هذه العلوم عبر القرون التي مرت و الآتية إن شاء الله تعالى فحول الأولياء ، فممن كانوا على مثل هذا العلم : علوم الحسن البصري ن و زين العابدين ن وجعفر الصادق ، ومنها علم موسى الكاظم ، ومنها علوم معروف الكرخي ، ومنها علوم الجنيد ، إلى أن وصلت إلى ابن مشيش رضي الله عنه ثم تلميذه الأغر مولانا أبي الحسن الشاذلي ومولاي العربي الدرقاوي و الإمام البوزيدي و سسدي أحمد ابن عجيبة الحسني و سيدي محمد الحراق ، الشيخ الأكبر مولانا ابن عربي رضي الله عنه ، و الكثير .......
هذه العلوم المسطرة المنفوثة في قلوب الأولياء المنفوخة في أرواحهم ، ما وجدت لها موطنا في قلوبهم إلا لقيامهم بآداب العبودية الحقة و ليس العكس.
نسال الله تعالى أن يفتح علينا جميعا بفضله و رحمته آمين.
كلمتا "عرف" و "علم" وردتا في القرآن. ولم يستعمل الأولياء في الصدر الأول من الإسـلام إلا كلمة "عالم". ثم احتاج السالكـون الواصلون إلى الله عز وجل إلى كلمة تميز العالم بالله عن العالم بالأحكام والنصوص فاستعملوا كلمة "عارف". "علم" تدل على الاطلاع على أحوال الشيء المعلوم وصفاتِه كما تدل كلمة سمع على فعل خاص وهو إدراك الأصوات، وكما تدل كلمة رأى على إدراك المظهر الخارجي للشيء المرئي. كلمة "عرف" تتعلق بذات الشيء لا بأحواله وأوصافه وأفعاله ومظهره فقط، فهي تستغرق كل ذلك. عرفت زيدا أشمل من علمت أن زيدا كذا وفعل كذا، ومن رأيت زيداً وسمعت زيدا. على أن هذه المعرفة لزيد على شمولها وذاتيتهـا لا تعدو أن تكون عملية عقلية تعتمد الحس آخرَ المطاف.
معرفة الله عز وجل والوصول إليه عطاءٌ منه سبحانه مَحْضٌ لمن تقرب إليه جلت نِعَمُه حتى أحبَّه فكان سمعه وبصره ويده ورجله. عطاء يتنزل على القلب. عطاء لا يُكيَّف ومعرفة لا تُكيف. فالعقل السجين في عالم الكم والكيف والعلة والمعلول والفوق والتحت والزمان والمكان آلة فاشلة كل الفشل في هذا المضمار. وإن أطلَّ العقل من خلف سُجُفِ الغيب على ما ينعم به القلب من قرب مولاه عز وجل، ومشاهدته، والأنس به، والمعية معه، فاللسان الذي ينطق به ليعبر عن إطلالته ينطق خطأً. تعبير اللسان عن لمحات العقل المختلَسَة خطأ وعرضة للخطإ، حاشا قولَ المعصوم صلى الله عليه وسلم ونطقَه حين بلغ عن ربه "كنت سمعه وبصره ويده ورجله".
وقد تُسْعِف لغة المجاز والكناية والاستعارة اللسان ليعبر عن وجدان القلب ومعرفته لربه عز وجل.
علوم الأولياء المتعلقة بالأكوان وعالم الملكوت وكلِّ ما هو مخلوق يجوز للعقل أن يتكلم فيها باللسان العام ليقرب لأذهان السامعين والقارئين علم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. القنواتُ بين العقل والقلب في عالم الخلق مفتوحة. أما معرفة الحق جل وعلا فالفتح القلبي فرحةٌ للقلب ودهشة للعقل لا تنتهي.
يقول الشيخ عبد السلام ياسين في فقرة العارفون الواصلون إشارة منه إلى من ذاق مثل هذه المعاني : ( ....نتقدم بشهادات لرجال الحديث المشاركين في علم السلوك والمعرفة قبل أن نحضُر مجالس أهل الفن أئمةِ العرفان رضي الله عنهم ورضوا عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "لفظ "الوصول" لفظ مُجْمَل، فإنه ما من سالك إلا وله غاية يصل إليها. وإذا قيل : وصل إلى الله، أو إلى توحيده، أو إلى معرفته، أو نحو ذلك، ففي ذلك من الأنواع المتنوعة والدرجات المتباينة ما لا يحصيه إلا الله تعالى"[1].
وقال شيخ الإسلام ابن القيم: "ومراد القوم بالاتصال والوصول اتصال العبد بربه ووصوله إليه. لا بمعنى اتصال ذات العبد بذات الرب كما تتصل الذاتانِ إحداهما بالأخرى، ولا بمعنى انضمام إحدى الذاتين إلى الأخرى والتصاقها بها. وإنما مرادهم بالوصول إزالة النفس والخَلْقِ من طريق السير إلى الله تعالى. ولا تتوهَّمْ سوى ذلك، فإنه عينُ المحال"[2].
وقال: "إن الوصول إلى البيت هو غاية الطريق، فإذا وصل فقد انقطعت طريقه، وانتهى سفره. وليس كذلك الوصول إلى الله. فإن العبد إذا وصل إلى الله جذَبه سيرُه، وقوي سفرُه. فعلامة الوصول إلى الله الجد في السير والاجتهاد في السفر.(...). بداية الأمر الطلب، وتوسطه السلوك، ونهايتُه الوصول"[3].
وذكر ابن تيمية رحمه الله مقامات العارفين فقال: "للمومنين العارفين بالله، المحبين له من مقامات القرب ومنازل اليقين ما لا تكاد تحيط به العبارة، ولا يعرفه حقَّ المعرفة إلا من أدركه وناله. والرب رب، والعبد عبد. ليس في ذاته شيء من مخلوقاته وليس في مخلوقاته شيء من ذاته"[4].
وعرّف ابن القيم أعلى الله مقامه العارف فقال: "العارف عندهم من عرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم صدقَ الله في معاملته، ثم أخلص له في قصوده ونياته، ثم انسلخ من أخلاقه الرديئة وآفاته، ثم تطهَّر من أوساخه وأدرانه ومخالفاته، ثم صبر على أحكام الله في نعمِه وبليّاتِه، ثم دعا إليه على بصيرة بدينه وآياته"[5].
وهذه مقالة له رحمه الله أكتبها عنه مرة بعد مرة يُبْرز فيها مرتبة العارف حتى لا يظن العاميُّ أن العارف عالم من العلماء الورّاقين. قال: "إن العارف صاحب ضياء الكشف أوسعُ بطانا وقلبا وأعظم إطلاقا بلا شك من صاحب العلم. ونسبته إليه كنسبة العالم إلى الجاهل"[6].
العارفون بالله صنف من الأولياء، أعلاهم مرتبة وأقربهم قربا وأضْوَأُهم قلبا. هم رحمة في العالمين يُشعون على الخلق من نور النبوة الذي ورثوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله رب العالمين رحمة للعالمين. قال ابن القيم: "جعل الله انبساطهم مع الخلق رحمة لهم، كما قال تعالى: )فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ( (سورة آل عمران، الآية: 159). فالرب سبحانه بسط هؤلاء مع خلقه، ليقتدِيَ بهم السالك، ويهتديَ بهم الحيران، ويُشفى بهم العليل، ويُستَضاءَ بنور هدايتهم ونصحهم ومعرفتهم في ظلمات دياجي الطبع والهوى. فالسالكون يقتدون بهم إذا سكتوا، وينتفعون بهم إذا نطقوا. فإن حركاتِهم وسكونَهم لمّا كانت بالله ولله وعلى أمر الله جذبت قلوب الصادقين إليهم"[7].
العارفون الكمّل الوارثون الخلفاء هم بقية الله في الأرض، صحبتهم هي مفتاح السلوك، وباب السير، وزاد السفر. "هم الصفوة من عباده (ألبسهم) ملابس العرفان، خصهم من بين عباده بخصائص الإحسان، فصارت ضمائرهم من مواهب الأنس مملوءة، ومرائي قلوبهم بنور القدس مجلوَّة. فتهيأت لقَبول الأمْداد القُدسيَّة، واستعدت لورود الأنوار العُلْوِيَّة، واتخذت من الأنفاس العطريَّة بالذكر جُلاّسا، وأقامت على الظاهر والباطن من التقوى حرّاسا، وأشعلت في ظُلَمِ البشريّة من اليقين نبْراساً، واستحقرت فوائد الدنيا ولذاتها، وأنكرت مصائد الهوى وتبعاتها، وامتطت غوارب الرَّغَبُوتِ والرَّهَبُوتِ، واستفرشت بعلو همتها بساط الملكوت، وامتدت إلى المعالي أعناقُها، وطَمَحَتْ إلى اللامع العلويِّ أحداقُها. واتخذت من الملإ الأعلى مُسامراً ومحاوراً، ومن النور الأعز الأقصى مزاورا ومُجاورا.
"أجساد أرضية بقلوب سماوية، وأشباح قد شبهت بأرواح عرشية. نفوسهم في منازل الخدمة سيارة، وأرواحهم في فضاء القرب طيارة. مذاهبهم في العبودية مشهورة، وأعلامهم في أقطار الأرض منشورة"[8].
العارفون بالله قرة عين الوجود، أحبهم الله عز وجل فعشقتهم الأكوان. قال الإمام الغزالي: "اعلم أن لكل ذرة في السماوات والأرض مع أرباب القلوب مناجاةً في السرِّ.وذلك مما لا ينحصر ولا يتناهى. فإنها كلمات تَسْتَمِدُّ من بحر كلام الله تعالى الذي لا نهاية له.(...). ثم إنها تتناجى بأسرار المُلْك والمَلَكوت، وإفشاء السرِّ لُؤْمٌ، بل صدور الأحرار قبور الأسرار"[9].
المعرفة شجرة نورانية لا شرقية ولا غربية. قال الإمام الرفاعي قدس الله سره العزيز: "عندي أن المعرفة كشجرة يغرسها ملِكٌ في بستانه، ثمينة جواهرُها، مثمرةٌ أغصانها، حُلوة ثمارها، طريفة أوراقها، رفيعة فروعها، نقية أرضها، عذب ماؤها، طيب أريجُها. صاحبها مشفق عليها لعزتها، مسرور بحسن زَهرتها. يدفع عنها الآفاتِ، ويمنع عنها البلياتِ. وكذلك شجرة المعرفة التي يغرسها الله تعالى في بستان قلب عبده المومن، فإنه يتعهدها بكرمه، ويرسل إليها كلّ ساعة سحائبَ المنة من خزائن الرحمة، فيُمطر عليها قطرات الكرامة، برَعْد القدرة، وبرق المشيئة، ليطهرها من غُبار رؤية العبوديّة. ثم يرسل عليها نسيم لَطائِفِ الرأفة من حُجُبِ العناية ليُتمَّ لها شرف الولاية بالصيانة والوقاية.
"فالعارف أبدا يطوف بسره تحت ظلالها، ويشم من رياحينها، ويقطع منها بمِنْجل الأدب ما فسد من ثمارها وحل فيها من الخبث والآفة. فإذا طال مُقام سرِّ العارف تحتها، ودام جَوَلانُه حولها، هاجَ أن يتلذذ بثمارها. فيمُد إليها يد الصفاء، ويجتني ثمارها بأنامل الحُرْمَة، ثم يأكلها بفم الاشتياق، حتى تغلبَه نار الاستغراق. فيضربُ يد الانبساط إلى بحر الوِداد، فيشرب منه شَربة يَسْكَر بها عن كل ما سوى الحقِّ سكرة لا يفيق منها إلا عند المعاينة. ثم يطير بجناح الهمة إلى ما لا تدركه أوهام الخلائق"[10].
ومثل الرفاعي رحمه الله المعرفة بشجرة لها أغصان ليخاطب فينا بلطائف التشبيه حسَّنا الخامد وطموحنا الراكد. قال: "مثل المعرفة كشجرة لها ستة أغصان. أصلها ثابت في أرض اليقين والتصديق، وفرعها قائم بالإيمان والتوحيد. فأول أغصانها الخوف والرجاء مقرونا بغصن الفكرة. والثاني الصدق والوفاء مقرونا بغصن الإخلاص. والثالث الخشية والبكاء مقرونا بغصن التقوى. والرابع القناعة والرضى مقرونا بغصن التوكل. والخامس التعظيم والحياء مقرونا بغصن السكينة. والسادس الاستقامة والوفاء مقرونا بغصن الود والمحبة.(...). ومن لم يكن له نور من سراج التوفيق، ولو جمع الكتب والأخبار والأحاديث كلها، لا يزداد إلا نفورا. كمثل الحمار يحمل أسفارا"[11]. قلت: التوفيق صُحبة الموفقين والسابقة عند رب العالمين.
وعن علم المعرفة يقول الولي الكامل الرفاعي: "أي سادة! علم المعرفة هو العلم بالله تعالى. وهو نور من أنوار ذي الجلال، وخصلة من أشرف الخصال. أكرم الله قلوب العقلاء، فزيّنها بحسن جماله، وعظيم شأنه، وخص به أهل ولايته ومحبته، وفضله على سائر العلوم. وأكثرُ الناس عن شرفه غافلون، وبلطائفه جاهلون، وعن عظيم خطره ساهون، وعن غوامض معانيه لاهون. فلا يدركه إلا أرباب القلوب الموفقون"[12].
للعارف أجنحة يطير بها في فضاء المعاملة والمعرفة. قال الإمام الرفاعي: "أي سادة ! للعارف أربعة أجنحة: الخوف والرجاء والمحبة والشوق. فلا هو بجناح الخوف يستريح من الهرب، ولا بجناح الرجاء يستريح من الطلب، ولا بجناح المحبة يستريح من الطرب، ولا بجناح الشوق يستريح من الشغَب.(...). عمَلُ العارف خالص للمولى، وقولُه مُستأنِس بالذكرى، وفكره بالأفق الأعلى. فمَّرةً يتفكر في نعم ربه، ومرة يجول حول سُرادِقات قدسه. فحينئذ يصير حرّا عبدا، عبدا حرّا، وغنيا فقيرا وفقيرا غنيا"[13].
العارف في غمرة الفرح والطرب بربه، جاءته التُّحَف والألطاف تَسْلِيةً له من وَعْثاء السفر، وطول الشقة، ومعاناة الأهوال. لاح لقلبه نور الله فهامت روحه حبا. قال الرفاعي: "يا هذا! لو أن العالم فريقان، فريق يروِّحني بمراوحَ من نَدٍّ، وفريق يقرض جسمي بمقارضَ من نار، لما ازداد هؤلاء عندي ولا نقص هؤلاء. أي بُنَيَّ! اعلم أن من عرف الله حق معرفته تلاشت همته تحت سرور وحدانيته. ولا شيء من العرش إلى الثرى أعظمُ من سرور العارف بربه. والجنة بكل ما فيها في جنب سروره بربه أصغرُ من خردلة لما علم أنه أكبر من كل كبير وأعظم من كل عظيم.
"فمن وجده فأي شيء لا يجد! وبأي شيء يشتغل بعده! وهل رؤية غيره إلا من خساسة النفس، ودناءة الهمة، وقلة المعرفة به! وهل يكون لباس أجمل من لباس الإسلام، أو تاج أجلَّ من تاج المعرفة، أو بساط أشرف من بسـاط الطاعة؟"[14].
قلت: جاءتك أخبار الرحلة المجيدة، والكرامة الفريدة، على لسان أولياء الله. كابدوا أهوال الخوف من تصرّم العمر دون الحصول على ما حصل عليه الرجال، وتنسموا نسائم الرجاء في لحظات المناجاة، واستغرقوا في ذكر الله، يبكون على الله، حتى امتدت إليهم يد التوفيق فصحبوا الموفق ووُلِدُوا الميلاد القلبي. لا تجيء المعرفة بالتمني والتغني يا غلام! ) كتاب الإحسان
[1] الفتاوي ج 11 ص 389.
[2] مدارج السالكين ج 3 ص 150.
[3] المصدر السابق ص 316.
[4] الفتاوي ج 11 ص 74.
[5] مدارج السالكين ج 3 ص 337.
[6] المصدر السابق ج 2 ص 420.
[7] المصدر السابق ج 3 ص 301.
[8] السهر وردي في "عوارف المعارف" ج1 ص 184.
[9] الإحياء ج4 ص214.
[10] حالة أهل الحقيقة مع الله ص 26.
[11] المصدر السابق ص 72-73.
[12] المصدر السابق ص 68.
[13] المصدر السابق ص 39.
[14] المصدر السابق ص 110
avatar
عمرسعيدالحسني
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 20
العمر : 46
الموقع : www.manthoor.com
المزاج : معتدل هادئ محب للحوار
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف عمرسعيدالحسني في السبت 10 ديسمبر 2011 - 20:32

للهم صل على سيدنا محمد و على آله و صحبه ، وبعد
تشرق بأرض نورها و تستوي في الروح علامات الفرح بالله تعالى ، و الإنتساب إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم ، فتتعدد المواهب و الأسرار ، و النعم و الآلاء فلايرى العبد عند صلاته في غسق الليل إلا نور مولاه ، و يصقل قلبه بالذكر فيحضر الخضرات المصطفوية تائبا منيبا لا يعرف إلا الإرتشاف من المعين النبوي الخاص .
نسأل الله أن ينعمنا بالمزيد آمين.
1.في نور طلب الكمال :
يسلك المؤمن طريق الله تعالى على نور منه و هداية و تعليم.فإن كان خلق الحبيب صلى الله عليه وسلم القرآن ، كان لزاما بل واجبا على العبد أن يتحرى الكمال في الإتباع و الأقتداء و الطاعة و المبايعة ، ومنها أن يأخذ الكتاب كله بقوة ، و لايفرط في بعض منه بسبب من الأسبياب أو شرط من الشروط ، وأن يحد في اجتهاد من سبقوه بالإيمان الدليل و البرهان ، على قوة البصيرة و استنباط العمل ، فإن عجز أو لم يطق الكمال الكامل فليصحر ممن يتبعوه باعتباره كدال على الله ، أنه قادر على شيء معين ، وأن من أراد الكمال الكامل ، فليبحث عمن هو سائر فيه و به و عليه ، على هدى و بصيرة .
يقول الشيخ عبد السلام ياسين في كتابه المنهاج النبوي ، خصلة الذكر ، فقرة طلب الكمال : ( ...من أصول البنا رحمه الله: "والقرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعريف أحكام الإسلام. ويفهم القرآن طبقا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف. ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات".
ومن أصوله رحمه الله: "وللإيمان الصادق والعبادة الصحيحة والمجاهدة نور وحلاوة يقذفها الله في قلب من يشاء من عباده. ولكن الإلهام والخواطر والكشف والرؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعية. ولا تعتبر إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه".
ومن أصوله رحمه الله: "وزيارة القبور، أيا كانت، سنة مشروعة بالكيفية المأثورة. ولكن الاستعانة بالمقبورين، أيا كانوا، ونداءهم لذلك وطلب قضاء الحاجات منهم، عن قرب أو بعد، والنذر لهم، وتشييد القبور وسترها، وإضافتها، والتمسح بها، والحلف بغير الله، وما يلحق بذلك من المبتدعات الكبائر، تجب محاربتها. ولا نتأول لهذه الأعمال سدا للذرائع".
ومن أصوله رحمه الله: "والعقيدة أساس العمل. وعمل القلب أهم من عمل الجارحة. وتحصيل الكمال في كليهما مطلوب شرعا وإن اختلفت مرتبتا الطلب".
طلب الكمال
ما أشار إليه الشيخ البنا رحمه الله من النور والحلاوة والإلهام والكشف والرؤى الصالحة عطاء يخص الله به من يشاء من عباده المؤمنين الذاكرين السالكين طريق الحق. ومنتهى كل ذلك الفتح الأكبر الذي يحصل لأولياء الله. وهم درجات والفتح درجات. نترك الحديث في هذا لفحل من فحول الأولياء، هو الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله. قال رحمه الله يصف حال المفتوح عليهم: "من قوي إيمانه وتمكن في إيقانه رأى بقلبه جميع ما أخبره الله عز وجل به من أمور القيامة. يرى الجنة والنار وما فيها. يرى الصور والملك الموكل به. يرى الأشياء كما هي. يرى الدنيا وزوالها وانقلاب دول أهلها. يرى الخلق كأنهم قبور يمشون. وإذا اجتاز القبور أحس بما فيها من عذاب ونعيم. يرى القيامة وما فيها من القيام والموافقة. يرى رحمة الله عز وجل وعذابه"[1]ارجع لهذا الكتاب لتسمع واحدا من مؤمني الأمة يحدثك بما فتح الله على قلبه. ولا تخلط وتسئ الفهم، فالفتح رؤية قلبية بحاسة يفتحها الله في القلب. ولا تظن أنك ترى كل ذلك بحاسة الشحم. فتح الله لنا ولك. ارجع إلى كتاب "حياة الصحابة" للشيخ يوسف الكاندهلوي لتقرأ ما كان يحدث من فتح لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما أتينا بشهادة رجل متأخر زمنا عسى أن تستيقظ هممنا لنطلب إلى الله عز وجل كمال ذواتنا. والمؤمن الرشيد إن عثر على ولي مرشد يسلكه وُعورات الطريق لا يسأل الله الفتح طلبا لحظ نفسه والكرامات. إنما يطلب من الله أن يغفر له، ويرفعه في درجات القربة ويعطيه كمال الإيمان والإحسان. فإن الفتح كرامة، والاستقامة إلى الله هي مطلوب القوم. ورحم الله الشيخ البنا فقد حذر من مزالق الاعتماد على الكشف وسائر المظاهر النوارنية التي قد تتماثل في شكلها مع المظاهر الشيطانية حتى لا يميز الجاهل بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان.) نسال الله التوفيق.
ليس الكشف والرؤى دليل على كمال العبد ، بل الكمال قيامه بشرط الإستقامة و آداء لمراسيم العبودية دون من و لاعطاء.بل يعبد الله لله و من أجله لا لشي ء آخر.

2.في نور التأسي به صلى الله عليه وسلم :
لا يعرف العبد مولاه تمام المعرفة أن لم يكن متأسيا بالحبيب صلى الله عليه وسلم في شانه كله.
يقول مولانا المجدد عبد السلام ياسين قدس الله سره ، ورضي الله عنه و أرضاه : (
- التأسي بدعواته صلى الله عليه وسلم:
رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمنا بالله، يعرف الخير فيدعوه به، والشر فيستعيذ منه. فنتبع كلماته الشريفة في الدعاء، كل دعاء بمناسبة، ونحفظ من ذلك نستكثر. فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأدعية الجامعة، وأدعية المناسبات، وأدعية الأوقات، وأدعية أثناء العبادات، وأخرى في الأكل والشرب والعادات.
ونحفظ أدعية القرآن مع الانتباه إلى مناسبتها، حتى نأخذها عن الله عز وجل، نتضرع إليه كما تضرع إليه أحبته التي أوردها الحق سبحانه على لسانهم. فورودها تعليم لنا أن نكون له سبحانه عبيدا كما كان أنبياؤه وأولياؤه.
-التأسي بأذكاره صلى الله عليه وسلم:
نجد في كتاب "الأذكار" للإمام النووي، وهو من أوسع الكتب في أذكار رسول الله صلى الله عليه وسلم زادا نافعا من الأذكار المأثورة. فمع التركيز على كلمة التوحيد أعلى شعب الإيمان نعطي للتسبيح والتحميد والتكبير والحوقلة وسواها من الأذكار الواردة حقها، في أوقاتها، وبأعدادها، كما وردت في السنة.
ونحفظ جوامع الذكر النبوية، ونحافظ على الأذكار الواردة عقب الصلوات، وفي الصباح والمساء، وعند الدخول والخروج، وعلى الأذكار الواردة في الاستعاذة، وعلى الأذكار غير المقيدة. يحفظ المؤمن منها ما تيسر تباعا. فقد جاءتنا من الحبيب صلى الله عليه وسلم كلمات محفوظة لكل مناسبات الحياة، ولكل منها فضيلة، ومن كل منها يسري إلينا مزيد من النور والإيمان.
- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:
روى مسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا".
فإن كان هذا فضل الصلاة على الحبيب صلى الله عليه وسلم، فكيف لا يستكثر منها المؤمن. وإنه لشح ما له مثيل أن يكتب المؤمن ذاكرا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكتب بين قوسين صادا صماء، ويحرم نفسه وقارئه من ذلك الفضل العظيم.
نكتفي بالصيغ الواردة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي كثيرة. والصلاة الإبراهيمية في التشهد وغيره هي العمدة. لا تذكر السيادة في الصلاة لكن لا مشاحة خارجها. ومن علمائنا من يحرصون على أن يذكر الاسم الشريف في الصلاة الإبراهيمية دون لفظ السيادة مطلقا. فلا نتخاصم على ذلك، ولا بأس.
صلاتنا على الرسول الكريم على الله عز وجل تبلغه، ويبلغه سلامنا، كما جاء في الحديث. فلنتأدب مع إمام الأنبياء وخيرة الخلق صلى الله عليه وسلم. وأول هذه الآداب تعظيمه في أنفسنا، ومحبته الموصولة بمحبة الله لا تنفك. ومن الآداب أن نهدي ثواب صلاتنا عليه لروحه الشريفة. ومنها أن نكثر من الصلاة عليه يوم الجمعة.
ولنحذر أن نبعد عن رحمة الله إن ذكر عندنا اسمه الحبيب فبخلنا عن الصلاة عليه، ومن هذا البخل الشنيع صاد بعضهم الصماء.
ولا يفوتنا كما يفوت الكثيرين أن المقصود من الصلاة عليه والتسليم والإكثار منهما هو صحبته ومحبته. فإننا إن أكثرنا ذكره كما أمرنا أصبحت صورته ومعناه في قلوبنا بمثابة النور الذي نهتدي به إلى ذكر الله ومحبته. نتيجة الصلاة على المحبوب المجتبى صلى الله عليه وسلم وصلتنا الدائمة به. فالصلاة صلة.
الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الخير، لذلك أوصى بعض سلفنا الصالح أن يبتدئ المؤمن دعاءه ويختمه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "فإن الله تعالى أكرم من أن يقبل الصلاتين ولا يقبل ما بينهما".
-التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه
كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن، يعطي كل ذي حق حقه، ثم يفيض خيرا ورحمة على العالمين. ينبغي تقصي هديه صلى الله عليه وسلم في كتب الشمائل، واتباع سنته صلى الله عليه وسلم في عظائم الأمور ودقائقها. فالسنة الشريفة وحدها كفيلة أن توحد سلوكنا، وتجمعنا على نموذج واحد في الحركات والسكنات، في العبادات والأخلاق، في السمت وعلو الهمة. فإنه لا وصول إلى الله عز وجل إلا على طريق رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا سبيل إلى جنة الله ورضوانه ومعرفته إلا باتباعه ظاهرا وباطنا. فذلك كله برهان عن صدقنا في اتباعه، إذ فاتتنا صحبته.
-لتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته
الاستقرار في البيت، وحسن التعامل فيه، من أهم ما ينبغي أن يميز المؤمنين. وإنه لجهاد يقتضي رحمة وحكمة، لا سيما في فترة الانتقال من مجتمع الفتنة إلى المجتمع الإسلامي. للناس عادات ومشارب، والبيت مغزو بأدوات الإعلام الفتنوية. ولأهل كل بيت فتن. فعلى المؤمنة والمؤمن ألا يعنفا على أهل بيتهما بما ينفر. الجهاد في البيت جهاد دعوة وصبر ومصابرة. وإحسان المؤمنة والمؤمن بعد توبتهما أشد تأثيرا على أهلهما من التعنيف. فإذا اكتشف الأقارب مع التوبة أن صاحبهم أو صاحبتهم صارا أوطأ كنفا، وأحسن خلقا، وألطف معشرا، وأوفى عهدا، مما يعهدون، فقد أوشكوا أن يحبوا الدعوة ويأنسوا إليها. وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سياسة في أهله، ورقة ولطف بالأطفال، وقيام عليهم وخدمة.
3.في نور محبته صلى الله عليه وسلم :
محبة الله ورسوله
يعرف المؤمن أن لله عز وجل أولياء، فالولاية العامة هي ولاية المؤمنين في قوله تعالى: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون. (سورة يونس، الآيتان: 62-63) والولاية الخاصة في قوله عز من قائل: يختص برحمته من يشاء. (سورة آل عمران، الآية: 74) أولياء الله يحبهم ويحبونه، فيسعى المؤمن لمحبتهم ليدرجوه، ويعلموه محبة الله ورسوله. وما لصحبة الأخيار من غاية إلا أن يدلوك على الله ويحببوه إليك، فإذا علمت أن الله عز وجل يتقرب إليه بالفرض والنفل حتى يحب العبد فيكون سمعه وبصره ويده ورجله كما يليق بجلاله سبحانه، وذقت حلاوة الإيمان، ثم تنسمت ريح القربة حتى أصبح همك الأول الله، وغايتك وجهه ومحابه، ومحاب رسوله مبتغاك، فقد أشرفت على قمة العقبة.
وما يشرف عليها من لم يصبح الله ورسوله أحب إليه من نفسه ووالده وولده. روى البخاري وغيره أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده"، بعضهم يعمد إلى تعبير المؤمنين عن هذه المحبة كالتسييد ينتقده. يوشك هؤلاء أن ينسونا أن محبته صلى الله عليه وسلم البالغة شرط في الإيمان، لا إيمان بدونها.
4.في نور صحبة الإمام المصحوب:
الإمام المصحوب
روى الإمام البخـاري عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: "لما طعن عمر جعل يألم، فقـال له ابن عباس –رضي الله عنهما- وكأنه يجزعه –يصبره ويسليه-: "يا أمير المؤمنين! ولئن كان ذاك! –أي لنفرض أنك مت من طعنتك هذه- لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض. ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض ثم صحبت صحبتهم –بفتحتين أي أصحابهم- فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون. قال –أي عمر-: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه، فإنما ذاك منٌّ من الله تعالى منَّ به علي. وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك منٌّ من الله جل ذكره منَّ به علي. وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك. والله لو أن لي طلاع الأرض -أي ملئها- ذهبا لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه!".
من حديث للبخاري أن عثمان رضي الله عنه قال: "أما بعد فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، فكنت ممن استجاب لله ولرسوله، وآمنت بما بعث به، وهاجرت الهجرتين كما قلت. وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعته. فوالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله".
نرى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينزلون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلته في حسن الصحبة والطاعة، ويرون رضا الأمير من رضا الله، لم تكن العلاقة بين أمير المؤمنين ورعيته علاقة سلطة فقط، بل كانت علاقة كلية لا ينفصل فيها الحب والإخلاص عن الطاعة والامتثال.
فكان الأمير مصحوبا ترجى بركته، ورئيسا يطاع أمره. كانت طاعة أولي الأمر لاحقة بطاعة الله ورسوله منشقة منها، وكانت محبة الأمير من محبة الله ورسوله.
فالخلافة على منهاج النبوة لا تكون كذلك إلا إن ولي أمر المسلمين رجال توفر لهم التقوى والحظ من الله بقدر ما توفر لهم الغناء والكفاءة التنفيذية.
في مجتمعات الجاهلية والفتنة علاقات سلطوية على كل المستويات. في الإسلام تسبق الدعوة الدولة، فإن اجتمعت الدعوة والدولة في يد جماعة المؤمنين فالأمير مرب مصحوب، وظيفته التربوية لا تنفك عن وظيفته السلطوية، بل تستمد هذه من تلك وتتقوى بها، فإنما نطيع أولي الأمر منا لأن الله أمرنا بذلك. العقد الإماري لا بد منه فهو شرع، لكن طاعة الأمير وحسن صحبته وإجلاله وتوقيره عبادة.
5.في نور العلم :
*نعوذ بالله من علم لا ينفع :
نعوذ بالله من علم لا ينفع !
جاء في الأثر التعوذ بالله من علم لا ينفع. علم الحق النافع دنيا وأخرى هو ما جاءنا من الوحي في الكتاب والسنة. وكل العلوم الكونية الأرضية إنما تنفع إن استعملت لإبطال الباطل وإحقاق الحق. كما أن علم الحق يبقى في عين غيرنا نظريات وأساطير إن لم نتسلح بالعلوم الأرضية وحكمة الأمم كي نجسد ما نؤمن به من الحق على أرض الواقع.
علم الفقيه منا ينفع إن برز من قلب خاشع، وتمثل وعظا صادقا تتفتح له قلوب المؤمنين، أو تمثل فتوى على بينة، التزم بها هذا أو ذاك ممن يراقب الله من المسلمين ويرجو اليوم الآخر.
وإنما ينفع علم الفقيه الأمة يوم يتكامل نظرة شاملة عن الكون وخالقه، والإنسان ومصيره، والتاريخ وسنة الله فيه، والإسلام وحركته في الزمان والمكان، وواقع المسلمين وأسباب تخلفهم، وضرورة تجديد دين الأمة ومنهاجه، والعقبات الخارجية والداخلية، النفسية والاقتصادية والاجتماعية أمام هذا التجديد، والزحف الذي يوصل جند الله إلى الغلبة والنصرة وتنظيم الدولة الإسلامية وتوحيد المسلمين، وتأهيل الأمة لقيادة العالم وحمل الرسالة.
نحتاج لتصور إسلامي لكل هذا، تصور تكون روحه وباعثه ودليله العبودية لله تعالى، ويكون مدده ومادته ما يستنبطه العقل المؤمن المتخصص من كتاب الله وسنة رسوله وناموسه في الكون.
علم الحق شرع به نكون مؤمنين حين نحقق مقاصده.
ونواميس الله في الكون قدر على مقتضاه يسوس الله عز وجل مملكته، فبإتقان علوم تلك النواميس نكون قد أعددنا القوة التي أمرنا بإعدادها، فاستحققنا الخلافة في الأرض.
*النقل و العقل و الإرادة :
النقل والعقل والإرادة
ما منا إلا من يقول في معرض التحدث والتساؤل عن العمل الإسلامي ومنهاجه، ينطق بهذه العبارة الصارمة: "كتاب الله وسنة رسوله".
لا مراء أن المحفوظ من حفظه الله من الشك في هذا. بيد أن الكتاب والسنة أصلان سماويان. فهما في منتهى الكمال إذا اعتبرناهما مجردين. فإذا نزلنا إلى الميدان، وشهدنا الناس في قابليات الفهم، وإرادة الجهاد، والإخلاص فيه، وجدنا أن تصور كل للكتاب والسنة يخالف تصور الآخرين. فكلما قيل جوابا عن تساؤلنا على عتبة العمل: "الكتاب والسنة"، قلنا: "الكتاب والسنة نقل" فبأي عقل وبأية إرادة نحن مقبلون على تطبيقهما؟.
علم هو بالجهل أشبه إن عمدنا إلى الكتاب والسنة نستنطقهما بذهنية لم تستكمل وسائل العلم، فهي تنظر إلى ذلك الماضي النير بحنين ومحبة، حتى إذا دعيت لمواجهة الحاضر وتخطيط مستقبل الإسلام، انكفأت عن كآبة الحاضر وشره، وانغلق فهم التاريخ عليها، فلعنت، واستعاذت بالله، وبررت بلعناتها الانزواء.
وعلم هو الشر حين تكون النصوص سلاحا لتكفير المسلمين وتضليلهم.
وعلم هو عين الانسلاخ من آيات الله حين يرضي عالم السوء الناس بما يسخط الله، يريد ما عند الناس فتزل به القدم، فلا ينتبه إلا وقد أصبح لعبة للشيطان.

6.في نور العلم النافع :
العلم النافع
ليس العلم النافع ما تكدست فيه النقول، وقل الفهم، وانتكست الإرادة. قال مالك رحمه الله: "ليس العلم بكثرة الرواية. إنما العلم نور يضعه الله في القلب". نور! وروى الإمام أحمد عن أبي جحيفة قال: "سألنا عليا رضي الله عنه هل عندكم (يعني آل البيت) من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء بعد القرآن؟ قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! إلا فهم يؤتيه الله عز وجل رجلا في القرآن" الحديث. فهم!
العلم فهم العقل الخاضع لجلال الله، ونور في قلب من أيده بالإرادة الجهادية.
1- في مسيرة جند الله فقه وفير نزل إلينا من تاريخنا العلمي الحافل. يجب ألا يكون الخلاف على اجتهاد سلفنا شغلنا، لكن الاستفادة من مناهجهم في الاجتهاد، نتمرس لنتجاوزها ونستقي من المعين الذي استقوا منه. فإلى تلك الرجولة ينبغي أن نهدف لا إلى الحومان حول ما قالت أجيال من سبقونا بالإيمان رحمهم الله.
ما كلنا يستطيع النظر في كتاب الله وسنة رسوله، فلا أقل من أن نغلق أبواب الخلاف العقيم. قال الإمام البنا رحمه الله في أصوله: "وكل واحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم. وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقا للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع. ولكننا لا نعرض للأشخاص فيما اختلف فيه بطعن أو تجريح، ونكلهم إلى نياتهم، وقد أفضوا إلى ما قدموا" وقال: "لكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماما من أئمة الدين. ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلة إمامه، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده صدق من أرشده وكفاءته، وأن يستكمل نقصه العلمي، إن كان من أهل العلم، حتى يبلغ درجة النظر".
2- ما نزل إلينا من اجتهاد حافل لا يكاد يتجاوز الفقه العبادي الفردي والمعاملات الاجتماعية. عكف فقهاؤنا رحمهم الله على ذلك بعد أن عزلهم السلطان عن الحياة العامة، وأفردهم للفتوى في شؤون الناس اليومية.
جل ما عندنا من فقه سلفنا الصالح فقه فروع لا نستغني عنه.
لكن الذي نحن بحاجة إليه هو الفقه الكلي الذي يشمل كل العبادات الفردية والمعاملات الجزئية، في نسق واحد يؤدي وظيفة إحياء الأمة وإعادتها إلى حضن الشريعة وصراط الله.
تقلصت الشريعة تحت الحكم العاض والجبري حتى أصبح اليوم مجالها لا يتعدى ما سموه بالأحوال الشخصية من زواج وطلاق وميراث، أو ما بقي في المسجد من وعظ وتذكير، وفي ذمم الأفراد من صلاة وزكاة وحج.
العلم الكلي النافع الذي نحتاج إليه هو ذاك الذي يخط لنا ويعلمنا كيف ننفذ حكم الله في إقامة الدولة وتسييرها، في تنظيم المجتمع وإقامة العدل فيه، في تربية وتنظيم جماعة المؤمنين، في إدارة شؤون المسلمين إنتاجا وتوزيعا ومعالجة للمعايش، في إدارة الاقتصاد ووظائفه، في جعل أمور الأمة شورى بين رجالها من أهل الحل والعقد، في تنظيم الاجتهاد لاستنباط أحكام الله من كتابه وسنة نبيه لهذا العصر ولهذه الشعوب الموزعة في الأرض، وبهذه الوسائل المتاحة، ولهذا الهدف الذي أصبح قبلة للإرادات الجهادية المتجددة.
3- واجب على كل مؤمن أن يأخذ من العلم بقدر ما يقيم به فرضه وسنته. ويتوسع في فقه الشريعة ما أمكنه.
وبعد فرض العين هذا الذي يكون الحد الأدنى المشترك بين جند الله، ويدرس جماعة وبالتدريج، يتعين على ذوي الكفاءات والاستعداد التفرغ لكسب العلوم التخصصية. والقيام بها في حق الكفء فرض ثابت. فهذه العلوم التخصصية، ما كان منها تعمقا في علم الحق، وما كان منها مهارة وخبرة عمليين في شؤون الصناعة والتكنولوجيا، أو نظريا من علوم العصر، ضرورية لحياة الأمة، مفروض عليها أن تتخذها.
فمن العلوم العينية كتاب الله عز وجل تلاوة حفظا وفهما، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دراسة واتباعا، وإتقان لغة القرآن لمحاربة الهيمنة الثقافية الأجنبية واحتلالها عقول أبنائنا وميادين حياتنا. في أول عهد الوارد علينا نوجهه لكتب الفقه المبسطة حتى يأخذ منها نصيبه. وفي نفس الوقت نحضره ونحضر معه حلقات في المسجد لدرس القرآن والحديث والسيرة، وتنظم هذه الدروس بحيث يستفيد منها العامة على مستواهم، ويجد فيها جند الله مزيدا من العلم كل على درجته. القرآن بتفسير أو تفسيرين، ويتوسع العالم. البخاري ومسلم مباشرة بالشروح المعتبرة. وأثناء ذلك يتعلم جيل التجديد لغة القرآن ولغة السنة. فاللغة العربية، تلك الصافية المتينة لا لغة الجرائد، هي الآلة والوسيلة لفهم ما أنزل علينا بلسان عربي مبين. فلا بيان إلا بها، أي لا وضوح.
ومن علوم الكفاية اللغات الأجنبية، والعلوم التجريبية التقنية، وعلوم التنظيم والإدارة، وعلوم السياسة والاجتماع. ونجرد كل هذه العلوم مما علق بها من مباشرة الجاهليين لها. وما تنطوي عليه مما يسمونه بعلوم الإنسان، والإديولوجيات من فلسفة كافرة، وتصور مادي نطلع عليهما لندحضهما في نقاشنا للمغرورين المضللين من أبنائنا.
وفي مرحلة تابعة نطوع كل هذه العلوم ونحذقها، لتنهضم في جهازنا العلمي، وتنصهر في بوتقتنا، وتخدم أهدافنا.
المنهاج العلمي في النقد، والملاحظة، والتحليل، والتركيب، والاختبار، انضباط ضروري وشرط أساسي لتحويل عقليتنا التقليدية اللفظية إلى عقلية صانعة منظمة دقيقة.
هما ذهنيتان عندنا عقيمتان. الذهنية الرعوية، ذهنية شعب درج على الخنوع للحاكم. ثم الذهنية اللفظية التقليدية التي تملأ أركانها ألفاظ غير محدودة المعاني، لا تصورات واضحة وأفكار هادفة.
المنهاج النبوي يجمع لنا بين نور القلب الذي يصدق بالحق ويخضع له، وبين فهم العقل المنضبط بالعلمية، والتجربة، والدقة في الحكم. بهذا العقل فقط يمكن أن نبني، وبذلك القلب فقط يكون البناء إسلاميا على هدى من الله

7.في نور الرؤى الصالحة:
يهاجم العقلانيون الإيمان بالغيب وينسبون إليه تخلفَ العقل المسلم وخرافيته وجناية المنامات والحكايات وكتب المناقب المحشوة بالكرامات على توازن الوعي العام عند المسلمين. والحل عندهم هو قطع مادة الخرافية من أصولها وتبني النظرة الوضعية المادية. ومن هنا جاءت محاولات أصحاب "الإصلاح" الذين أنكروا المعجزات، وأوّلوا وجود الجن، وهوّنوا من شأن النبوءة والوحي حتى جعلوها نوعا من فطرة النمل والنحل والحشرات. وهذا تخريب للدين من قواعده. فلا عقلانية الكفار اكتسبنا، ولا ديننا حفظنا. وما قيمة عقلانية فاعلة في العالم إن خسرنا آخرتنا وضيعنا أمانة الرسالة التي وُكِل إلينا حملُها؟
إن جناية المنامات والحكايات على العقل المسلم جنايةٌ حقيقيّة في صفوف العوام. ولمّا تقلَّصَ ظل العلماء وضعفت إفاداتهم التربوية راجت الخرافة ونَفَقَتْ في أسواق العِرافة والشعوذة والسحر وتعبير المنام، يتصدّى لتعبيره بالرأي الكالِّ والفهم السقيم والنية الكاذبة كل من هب ودب، وتُبنى عليه العزائم والأعمال، ويَفْصِل في الأمر العويص ظهورُ شبحِ شَيْخٍ لحالم مُتَبَرِّعٍ أو لـمُتحلِّم محترف.
وكان للشيطان، ولا يزال، الحفلةُ الكبرى في خطوطه الهاتفية، يوحي إلى أوليائه في المنام ما عجز عن تفهيمه لبلداء أنصاره وأتباعهم في اليقظة.
الرؤيا الصالحة كرامة تتميز عن الاستدراج النفسي وعن التلاعب الشيطاني. الرؤيا الصالحة للرجل الصالح يراها أو يراها له صادق حادثة في غاية الأهمية والدّلالة على واقع الإيمان في قلبه، وموهوب الهداية الربانية له، وعاجل البشرى بالفلاح والنجاح والزُّلْفى عند الله تعالى وتقدس.
وقد كان للرؤيا الصالحة في حياة الأنبياء عليهم السلام ما قصه الله عز وجل علينا في كتابه العزيز. فرؤياهم وحيٌ، وتنفيذ ما يوحى إليهم مناما صدق لعصمتهم من الشيطان. قال الله تعالى عن عبده إبراهيم لما صدق رؤيا ذبح ولده وبدأ في التنفيذ : )وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ( (سورة الصافات، الآية: 105).
الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح والمرأة قد تقع في الاعتبار إلى مقام الإحسان كما تدل على ذلك الآية. رؤيا إبراهيم عليه السلام الإحسانية كانت متعلقة بأمر إلهي كوني يتضمن ابتلاء عظيما ابتلي به الرسول الكريم في ولده، فاقتحم العقبة، عقبة الطبع والعادة والحنان الأبوي. أما في الأفراد المومنين فالرؤيا الصالحة الكونية المخبرة بأنه وقع كذا أو سيقع كذا فقد تتضمن بلاء أو تقترح خيارا، وقد يكون لها شأن عظيم في حياة الأمة، كما كان لرؤيا الملك في سورة يوسف، لكنها ليست من الإحسان في شيء، لأن الرؤيا الكونية الـمُطابقةَ لواقع مضى أو لواقع مستقبل يستوي في تلقيها المومن والكافر، وتختلط منابعُها من أعماق النفس البشرية الجارية على قدَر إلهي من معانيه ومقاصده الرئيسية ابتلاءُ العباد.
الرؤيا الإحسانية هي التي تبشر العبد الصالح بالقرب من ربه عز وجل، وتريه وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتُسمعه منه ومن عباد الله الصالحين إشارات الفوز، وتمثل له النجاة من العذاب والانضواء تحت لواء الأخيار الأبرار.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد كل صباح بعد صلاة الفجر مجلسا يسأل فيه أصحابه عن رؤاهم فيعبرها، أو يقص عليهم رؤاه وهي وحي يتعلمونه على أنه الحق الصريح أو المضروب مثلا. عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم رؤيا؟" الحديث. أخرجه البخاري في صحيحه في "كتاب التعبير"، باب "تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح".
كانوا يقصون على الحبيب صلى الله عليه وسلم ما شاء الله فيعبِّر ويؤول ويوجه ويربّي. وكان يعظم لأصحابه أمر الرؤيا الصالحة غاية التعظيم، فيقول: "رؤيا المومن كلام يكلم به العبدَ ربه في المنام". رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت بإسناد صحيح. ويقول صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة". أخرجه الشيخان عن أنس. وذهب بعض الشراح إلى أن نسبة الجزء من ستة وأربعين جزءا هي نسبة الستة أشهر الأولى من بعثته صلى الله عليه وسلم التي كان الوحي إليه فيها مقتصراً على رؤيا المنام إلى مدة نبوته وهي ثلاث وعشرون سنة. وهذا تفسير واهٍ كما تدل على ذلك الأحاديث التالية التي تبين أن الرؤيا الصالحة الإحسانية النورانية وحي إلهي وكلام إلهي حقيقي إلى العبد الصالح بتصريح يحمل البشرى أو تلميح يوحي بها ويحتاج إلى تعبير.
وورد في أحاديث أخرى أن الرؤيا الصالحة جزء من سبعين، وغير ذلك، وروى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات" قالوا: "وما المبشرات؟" قال: "الرؤيا الصالحة". وأخرج الإمام أحمد عن أبي الدرداء وعن عبادة بن الصامت من طريقين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في تفسير قوله تعالى: )أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ( (سورة يونس، الآية: 62). قال صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له". وكذا روى ابن جرير وأبو داود الطيالسي.
كان الصحابة رضي الله عنهم، لمّا سمعوا من البشارة العظمى ببقاء هذا الجزء من النبوة، يهتبلون بالرؤيا الصالحة وينتظرون ويحتفلون. كيف لا وقد جاءهم الوعد ببقائه بعد حزن وشدة. أخرج الترمذي عن أنس بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي". فشق ذلك على الناس. فقال: "لكن المبشرات" فقالوا: يا رسول الله! وما المبشرات؟ قال: "رؤيا المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة".
قال سيدنا عبد الله بن عمر: "إن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقصونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله. وأنا غلام حديث السن، وبيتي المسجد قبل أن أَنْكِحَ. فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء !". رواه البخاري عن ابن عمر، وذكر رؤيا لعبد الله بن عمر مؤداها أنه سلم من عذاب النار. فقصها على أخته أم المومنين حفصة رضي الله عنها، فقصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن عبد الله رجل صالح".
هكذا إذن كان الصحابة يحتفلون بوحي المنام، وهكذا يعتبره الصالحون كرامة، ويعتبرونه كما اعتبره عبد الله بن عمر شهادة من الله عز وجل وبراءة ومنشورا على أن العبد الرائي أو المرئِيَّ له "فيه خير".
إن دواوين الحديث تخصص كتابا للرؤيا الصالحة، أو "كتاب التعبير" دلالةً على أن هذا الجزء المقدس الباقي من النبوءة من صُلب الدين لا من هوامشه. ويروي المحدثون آداب الرؤيا، وأنواعها، وما يفعله من حَزَنَه الشيطان برؤيا سوء، وضرورة تعبيرها. وما زال المسلمون في كل عصر يرجون ويضرعون إلى الله عز وجل في رؤيا المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويقص بعضهم على بعض رؤياه وبشارتَه لزيد وعمرو من الناس جيلا بعد جيل. وتمتلئ كتب المناقب وصحف الصوفية برؤيا الأموات يقصون ما لقوا في الآخرة وما فعل الله بهم. فيَعتبر بذلك المعتبر، ويتوب التائب.
الرؤيا الصالحة بقية صالحة في هذه الأمة ووصْلة دائمة بالغيب. يقابلها ما نراه عند الشيطانيين والمشركين من استعمال للأحلام في استكناه المغيبات، والتطلع الفضولي لما سيقع، وتفسير الشخصية الإنسانية وغوامضها كما يزعم ذلك فرويد اليهودي ومدارس التحليل النفسي.
وقد ذخر الله رب العزة للاحقين من هذه الأمة ذُخْرَ الرؤيا الصادقة لتكون لهم مذكرة حاضرة ليرجعوا عن إسلام الفكر والثقافة إلى الإسلام الكامل الشامل الذي يكون الإيمان بالغيب والتعامل مع الغيب بميزان الشرع ركنه الركين. روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المومن تكذب". قال بعض الشراح: اقتراب الزمان هو استواء الليل والنهار في الربيع والخريف. وهذا ليس بشيء، وإنما المقصود تقوية المتأخرين من هذه الأمة بالتأييدات الغيبية مثل الرؤيا الصادقة، كما يشهد لهذا ظهور الكرامات في جهاد أفغانستان ظهورا لم يسبِق له مثيل منذ عهد الصحابة.
وإلى هذا التفسير ذهب الإمام ابن القيم حيث قال: "وهي (الرؤيا الصادقة) عند اقتراب الزمان لا تكاد تُخطئ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها. فيتعوَّض المومنون بالرؤيا. وأما في زمن قوة نور النبوة ففي ظهور نورها وقوَّته ما يغني عن الرؤيا. ونظيرُ هذا الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة ولم تظهر عليهم لاستغنائهم عنها بقوة إيمانهم واحتياج من بعدهم إليها لضَعف إيمانهم"[1].
عن ضعف الإيمان وطريق تقويته حدِّثنا أيها الشيخ الجليل عبد القادر. يقول رحمه الله: "اهرُب من الفاسقين والمنافقين، والتحق بالصالحين الصدّيقين. إذا أشكل عليك الأمر ولم تفرق بين الصالح والمنافق فقم من الليل، وصل ركعتين ثم قل: يا رب دلني على الصالحين من خلقك. دلّني على من يدلني عليك، يُطعمني من طعامك، ويسقيني من شرابك، ويَكْحُل عين قلبي بنور قربك، ويخبرني بما رأى عيانا لا تقليدا. القوم أكلوا من طعام فضل الله عز وجل، وشربوا أُنسَه، وشاهدوا باب قربه. لم يقنعوا بالخبر، بل جاهدوا وصابروا وسافروا عنهم وعن الخلق حتى صار الخبر عندهم عيانا. لما وصلوا إلى ربهم أدبهم وهذبهم وعلمهم الحِكم والعلوم. أطلعهم على ملكه، وعلمهم أن ليس في السماء والأرض غيرُه، ولا مُعطي غيرُه، ولا مانع غيرُه، ولا محرك ولا مسكِّن غيرُه،ولا مقدِّر ولا قاضِيَ غيرُه، ولا مُعز ولا مذلَّ غيرُه، ولا مسلِّط ولا مسخِّر غيرُه، ولا قاهر غيرُه.
"يريهم ما عنده، فيرونه بأعين قلوبهم وأسرارهم، فلا يبقى للدنيا ومُلكهاعندهم قدر ولا وزن. اللهم أَرِنا كما أريتهم من العفو والعافية"[2].
وقال رحمه الله: "ما أراكم تفقهون ما أقول! عليكم بدلالات التوحيد والإصغاء إلى كلمات الصديقين والأولياء. كلامهم كالوحي من الله عز وجل. ينطقون عنه وبأمره من وراء مأمور العوامِّ الطَّغامِ. أنت هَوَسٌ! تؤلف كلامك من الكتب وتتكلم به. إن ضاع كتابك ما تصنع؟ أو وقع الحريق في كتبك؟ أو انطفأ مصباحُك الذي تبصر به؟ إذا انكسرت جرّتك وتبدد الماء الذي فيها؟(…)
"تنحّوْا يا أبناء اللقلقة، يا أبناء الصُّحف المؤلفة بأيدي النفوس والأهوية. ويلكم! تنازعون المخصوص! تَنقصون وتهلكون! ولا تبلغون حظكم! كيف تتغير السابقة والعلم بجُهدكم! كونوا مومنين مسلمين(…).
"القوم استطرحوا بين يدي الحق عز وجل، ونسوا لِمَ وكيف وافعلْ ولا تفعل. يعملون أنواع الطاعات وهم وقوف على قدم الخوف. ولهذا وصفهم الله عز وجل فقال: )يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ( (سورة المومنون، الآية: 60). يمتثلون أوامر الله عز وجل، وينتهون عن مناهيه. ويصبرون على بلائه، ويشكرون على عطائه، ويسلِّمون أنفسهم وأموالهم وأولادهم وأعراضهم إلى يد سابقته وقلوبهم وجلة خائفة منه. العارف إذا زهد في الآخرة يقول لها "تَنَحَّيْ عني فإني طالب باب الحق عز وجل. أنتِ والدنيا عندي واحد! الدنيا كانت تحجبني عنكِ وأنتِ تحجبينني عن ربي عز وجل! لا كرامة لكل من يحجبني عنه!"[3].
قال زاهد متشوق إلى معرفة حاله عند الله عز وجل:
إلهـي أرجـو العفـو منك تكـرمـا فـإنـك مـولىً لا تخـيِّـبُ عبـدكـا
فياليت بشْرَى لو أتتني في الكَـرَى فأعلـم منهـا كـيف حـاليَ عنـدكـا

وقال مشتاق مبتلى:
بَكَيْـت، ودمـع العـين للنفـس راحـة ولكـنَّ دمـع الشـوق يُـنْكـى به القلـب
وذكـري لما ألقــاه ليـس بنـافـعـي ولـكـنـه شـيء يـهـيـجُ بـه الكَــرْبُ
فلو قيل لي: ما أنت؟ قلـت: مُعذّب بنـار مـواجـيد يُـضَـرِّمُـهـا العَـتْـبُ
بُلـيـت بمـن لا أستطـيـع عِـتـابـه ويُـعْـتـبـني حتى يقـال: لِـيَ الذَّنْـبُ

وقال وامقٌ مفارق لشائق:
قـف بالديــار فهـذه آثـارهـم تُبكـي الأحبـة حسـرة وتشـوّقـا
كم قـد وقفتُ بها أُسائل مُخبرا عن أهلهـا أو صـادقـا أو مشفـقـا
فأجابني داعي الهوى في رَسْمِها فـارقـت من تهـوى فَعـزَّ الملتقـى

وقلت:
هُبَّ مِنْ سَكْرَةِ الكـرَى يَا أُخَي أَنْتَ فِي مَدْرَجِ الخَطَــا والهُـوِيِّ
غَـفْلَــةٌ عَنْ نِــدَاءِ رَبٍّ كَرِيــمٍ وَخُمولٌ فِي قَبْـضِ حُكْــمٍ رَدِيِّ
قُمْ وَأبْشِــرْ فَــإِنَّ وَعْــدَ إِلَهِــي زُفَّ فِي الوَحْـيِ لِلأمِـينِ القَــويِّ




[1] مدارج السالكين ج 1 ص 50.
[2] الفتح الرباني ص 119.
[3] الفتح الرباني ص 292

8.في نور علوم الذوق:
أثبت القرآن الكريم أن المومن يعقل بقلبه في مثل قوله تعالى عن الكافرين: )أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا( (سورة الحج، الآية: 46). وأثبت أنه يسمع السمع الفطري بما به يعقل، وهو القلب، بدليل قوله تعالى: )أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ( (سورة يونس، الآية: 42). أضف إلى هذا ما كنا في تفصيله من حديث عن البصيرة وعين القلب. وأضِفْ حديث مسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا". بهذا نعلم أن القلب المفتوح له، قلب المومن المحسن الولي، حاسَّةٌ كاملة تسمع وتبصر وتذوق وتعقل بإدراك فوق طاقة الحواس وفوق طَوْر العقل.
وللمومن الراضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا بداية ذوقٍ منحه إياها مجرد الرضى والقَبول. ثم يتفاوت المومنون في ذوق الإيمان والإحسان على حسب حبهم لله ورسوله، وذكرهم، وصدقهم، وتجرُّدهِم القلبي من الدنيا، وإقبالهم بالكلية على الله عز وجل، "فلا يحبون شيئا إلا له، ولا يتوكلون إلا عليه، ولا يوالون إلا فيه، ولا يعادون إلا له، ولا يسألون إلا إياه، ولا يرجون إلا إياه، ولا يخافون إلا إياه، يعبدونه ويستغنون له وبه، بحيث يكونون عند الحق بلا خلق، وعند الخلق بلا هوى. قد فنيت عنهم إرادة ما سواه بإرادته، ومحبة ما سواه بمحبته، وخوفُ ما سواه بخوفه، ورجاء ما سواه برجائِه، ودعاء ما سواه بدعائه.
"هو أمر لا يعرفه بالذوق والوجد إلا من له نصيب"[1].
يُكثر شيخ الإسلام ابن تيمية، وأكثر منه ابن القيم، من استعمال لفظ "ذوق"، ومن حصوله للناس بتفاوت، ومن كون إنكار المنكرين لأحوال السالكين ومواجيدهم إنما سببُه عدم ذوقهم لما ذاقوا. وكلمة ذوق كلمة قرآنية حديثية اتخذها الصوفية رضي الله عنهم مصطلحا للإخبار الواسع عن مواجيدَ تتعمق كلما ارتقى السالك في عقبة السير. وذوق الواصلين إلى مراتب الأحوال السَّنِيَّة والتجلِيَّات الربانية يعبر عنه الأستاذ القشيري كما يلي: "من جملة ما يجري في كلامهم (الصوفية) الذوق والشرب. ويعبرون بذلك عما يجدونه من ثمرات التجلي ونتائج الكشوفات وبوادِر الواردات. وأول ذلك الذوق، ثم الشرب، ثم الري. فصفاء معاملاتهم يوجب لهم ذوق المعاني. ووفاء منازلاتهم يوجب لهم الشرب. ودوام مواصلاتهم يقتضي لهم الري.
"فصاحب الذوق متساكر، وصاحب الشرب سكران وصاحب الري صاح. ومن قوِيَ حِسُّهُ تَسَرْمَدَ في شربه"[2].
التجليات ومذاقاتها وشربها وريُّها معية إلهية "لا تدركها العبارة، ولا تنالها الصفة، وإنما تُعلم بالذوق. وهي مَزَلَّةُ أقدامٍ إن لم يصحب العبد فيها تمييزٌ بين القديم والمحدث، بين الرب والعبد، بين الخالق والمخلوق، بين العابد والمعبود(...). والمقصود أنه إن لم يكن مع العبد عقيدة صحيحة وإلا فإذا استولى عليه سلطان الذكر، وغاب بمذكوره عن ذكره وعن نفسه، ولج في باب الحلول والاتحاد ولابد"[3]. وهذا ما عبر عنه الصوفية بالسكر وما يؤثر من كلام سكارى السلوك من شطح، نرجع إلى ذلك في فصل مقبل إن شاء الله.
القلب المنوَّر شاهد عدل تقبل شهادته وفتواه. إنه بمثابة الأعضاء والجلود التي تشهد على أصحابها في الآخرة كما قال الله تعالى: )يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( (سورة النور، الآية: 24). القلب المفتوح له تجاوز العادة وخرقها وأصبح شأنا من شؤون الآخرة. لتجاوز قلبِ المومن الذائقِ طعمَ الإيمان العادةَ كان له الإشرافُ والإمارةُ على العقل القاصر المسجون في بيتِ العادة والحجاب عما وراء الحس. وكانت له الفتوى في الدقائق التي لا يدركها العقل ولا تنالها الحواس. القلب المومن يسمع ويرى ويذوق ما لطُف من المعاني والحقائق ويُدلي بشهادته.
جاء وابِصَةُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخطى الناس، فقال له: "اُدْنُ يا وابصة!" فدنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مست ركبتُه ركبتَه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا وابصةُ! أُخْبِرُ ما جئت تسألني عنه أو تسألني؟ فقال: "يا رسول الله! فأخبرني!" قال صلى الله عليه وسلم: "جئت تسألني عن البر والإثم؟" قال: نعم! فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعَه الثلاث، فجعل ينكُث بها في صدر وابصةَ ويقول: "يا وابصةُ! استفتِ نفسك. البر ما اطمأن إليه القلب، واطمأنت إليه النفس. والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس". رواه الإمام أحمد عن وابصة.
هذا مقام تصدر فيه القلب للفتوى، صدَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذِن لَه. أذن له أن يقول كلمته في فهم خاص لرجل في خصوصيات أخلاقه وإدراكه لعموميات البر والإثم. ولا يُستنتجُ من هذا الإذن الشريف أن لقَلبِ وابِصةَ أو لقلب غيره من الأمة أن يشرِّع حدود البر وتخوم الإثم من عنده. إنما يستنتج منه أن البر كما شرعه الله ورسوله، والإثم كما وضع الله عز وجل له حدودا ورسولُه، تطابِقُ معالمهما الفطرة السليمة، فيطمئن القلب السليم للبر، ويحوك الإثم في الصدور ويتردد فيها.
وللقلب فيما عدا الأمر والنهي مسرَح فسيح للتأمل. قال الإمام الغزالي: "فكم من معان دقيقة من أسرار القرآن تخطُر على قلب المتجردين للذكر والفكر، تخلو عنها كتب التفاسير، ولا يطلع عليها أفاضل المفسرين. وإذا انكشف ذلك للمريد المراقب وعرض للمفسرين استحسنوه، وعلموا أن ذلك من تنبيهات القلوب الزكيَّة، وألطاف الله تعالى بالهِمَم العالية المتوجهة إليه. وكذلك في علوم المكاشفة، وأسرار علوم المعاملة، ودقائق خواطر القلوب"[4].
يعني الصوفيةُ بالمعاملات معاملةَ العبد مع ربه في خصوصياتهم القلبية من خشوع وذكر ومناجاة وتوكل وخوف ورجاء. لا المعاملات الفقهية بين الناس التي حددها الشرع.
للقلب الذوق الأعلى وهو لذة العلوم الربانية. قال الإمام الغزالي: "لذة المعرفة أقوى من سائر اللذات، أعني لذة الشهوة والغضب ولذة سائر الحواس الخمس. فإن اللذاتِ مختلفة بالنوع (أعلاها لذة الرياسة). فلذةُ معرفة الله، ومطالعة جمال حضرة الربوبية، والنظرُ إلى أسرار الأمور الإلهية ألذ من الرياسة التي هي أعلى اللذات الغالبة على الخلق. وغاية العبارة عنه أن يقال :فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. وإنه أعدَّ لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وهذا الآن لا يعرفه إلاّ من ذاق اللذتين جميعا. فإنه لا محالة يوثرُ التبتلَ والتفردَ والفكر والذكر، وينغمس في بحار المعرفة، ويترك الرياسة"[5].
للقلب المنوّر أن يتمتع بانكشاف الأسرار وإشعاع الأنوار والالتذاذ بالمعرفة والانغماس في بحارها ما دام في "التبتل والتجرد والتفرد والفكر والذكر". لكن تصرفه في العالم يجب أن ينضبط بضابِط الشرع. العقل هو وزيره اللازم، وخفيرُه الملازم، وإلا تاه القلب في دوامة المواجيد بلا حدود ولا سدود.
رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدُ المكاشفين وسيد العالمين، استعمل طاقة القلب وإدراكه في مواطنَ مثل إخباره لوابصة بما يُضمر وابصةُ، لكنه سن للأمة التعامل بالحجة والبرهان والدليل صيانة لحقوق الله وحقوق العباد أن تطير بها العاطفة المجنَّحة في سماء الأوهام. قال صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض. فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله، فإنما أقطع له بقطعه من النار. فلا يأخذها". رواه الشيخان وأصحاب السنن عن أم سلمة رضي الله عنها، واتخذه الفقهاء أصلا لئلا يفتِيَ القاضي بعلمه واطلاعه، بل بالحجة تدحض الحجة، وبالشهادة يرجحها العقل. وما شاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين الناس بكشفه، ولا أن يقطع رأيا في أمور السلم والحرب دون الشورى.
وأجاد ابن القيم وأحسن، كعادته أحسن الله إليه، حين كتب: "اعلم أولا أن كل حال وذوق وشهود لا يشرق عليه نور العلم المؤيَّد بالدليل فهو من عيش النفس وحظوظها. فلو قُدِّر أن المتكلم إنما تكلم بلسان العلم المجرد، فلا ريب أن ما كشفه العلمُ الصحيح المؤيد بالحجة أنفع من حالٍ يخالف العلمَ والعلمُ يخالفه. وليس من الإنصاف رد العلم الصحيح بمجرد الذوق والحال. وهذا أصل الضلالة ومنه دخل الداخل على كثير من السالكين في تحكيم أذواقهم ومواجيدهم على العلم، فكانت فتنة في الأرض وفساد كبير.(...). فما زكّاه شاهد العلم فهو المقبول، وما جرَّحه شاهد العلم فهو المردود. وهذه وصية أرباب الاستقامة من مشايخ الطريق"[6].
وكتب الإمام حسن البنا نضر الله وجهه في أصوله العشرين تحذيرا من سكرة القلب، حديث الخبير: "وللإيمان الصادق والعبادة الصحيحة والمجاهدة نور وحلاوة يقذفها الله في قلب من يشاء من عباده. ولكن الإلهامَ والخواطرَ والرؤى والكشف ليست من أدلة الأحكام الشرعية. ولا تُعتبر إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه".
وقال الإمام الأعظم الشيخ عبد القادر قدس الله روحه: "يا غلام! ثمَّ أمور باطنة لا تنكشف إلا بعد الوصول إلى الحق عز وجل، والقيام على بابه، ولقاءِ المفردّين والنُوَّابِ، والوقوف هناك. إن صرت إلى باب الحق عز وجل، وأدمت الوقوف مع حسن الأدب والإطراق، فُتح الباب في وجه قلبك، وجذبه من جذب، وقرّبه من قرّب، ونوّمه من نوَّم، وزفَّه من زفّ، وكَحَّله من كَحَّل، وحلاّه من حلى، وفرّحه من فرّح، وآمنه من آمن، وحدثه من حدث، وكلمه من كلم. يا غافلين عن النعيم! أين أنتم! ما أبعد قلوبكم عن الأمر الذي أشير إليه! تظنون أن الأمر سهل، حتى يحصل لكم بالتصنع والتكلف والنفاق!
"يحتاج هذا الأمر إلى الصدق والصبر على مطارق القَدر. إذا كنت غنيا معافى مشغولا بمعصية الحق عز وجل فتبت عن جميع المعاصي والزلات ما ظهر منها وما بطن، وصرت في الصحاري وفي البراري، وطلبت وجه الله عز وجل، جاءك الاختبار، جاءتك البلايا. فتطلب نفسك ما كانت فيه من الدنيا والعافية. فلا تَقْبَل منها، ولا تعطها ذلك.
"فإن صبرت حصل لك ملك الدنيا والآخرة، وإن لم تصبر فاتك ذلك.
"يا تائب! اثبت، وأخلص، قرر مع نفسك انقلاب الأمر ومجيء البلايا. قرر معها أن الحق عز وجل يُسهر ليلها ويُظْمِئ نهارها، ويوقع بينها وبين الأهل والجيران والأصدقاء والمعارف، وأنه يوقع في قلوبهم المقت لها، وأنه لا يقربها أحد منهم ولا يدنو منها.
"أما سمعت قصة أيوب عيه السلام لما أراد الله عز وجل تحقيق محبته واصطفائه، وأن لا يبقى لغيره فيه حظ، كيف أفرده من ماله وأهله وولده وأتباعه، وأقعده في كوخ على مزبلة خارجا عن العمران.(...). انقطعت عنه الأسباب والحول والقُوى، وبقي أسير محبته وقدره وقدرته وإرادته وسابقته. كان أمرُه صبرا، ثم صار عيانا. كان الأول مرا، ثم صار الثاني حُلْوا. طاب له العيش في بلائه كما طاب لإبراهيم عليه السلام في ناره".
قلت: ذاك ابتلاء الله عز وجل لأوليائه في عهد الهروب إلى البراري والصحاري. أما في عهد الجهاد والقومة لإحياء الأمة وبناء وحدتها على منهاج الخلافة النبوية فابتلاء صفوة جند الله الربانيين يكون على صورة الابتلاء المحمدي الصحابي، وسط المجتمع وفي قلب الفتنة وعلى عينها وتحدِّيا لها. والصبر اللازم في السلوك الجهادي أشد لأن الفتنة أشد. لأن القابض على دينه وسط الفتنة كالقابض على الجمر، لا يبلُغ قيظُ أي صحراءَ يسبِّح فيها المتفردون توقُّدَ الفتنة المعاصرة التي يُدعى جند الله لمُغاضبتها ومقاطعتها وتذليلها. وإن للسالكين المجاهدين، من كانت له سابقة، لنعيما ما عرفه الهاربون بدينهم.
قال الإمام الشافعي يميز العلم الرباني عن الوسواس الشيطاني:
كل العلوم سـوى القـرآن مشغلـة إلا الحـديث وعلم الفقه في الدين
العلم ما كان فيه: قـال، حدثنـا وما سوى ذاك وسواس الشياطين

وقال محقق في العلم مدقق:
غمـوض الحـق حين يُذَبُّ عنه يـقـلل نـاصِـرَ الخـصـم المُـحِـقِّ
تضـل عن الدقـيـق فهـوم قـوم فـتـقـضي للمجِـلِّ علـى المـدِق

وقال ذاكر لربه منتظر وعد لقائه والنظر إليه:
ذكـرك لي مـؤنـس يعـارضني يعـدُني عنـك مِـنـك بالظَّـفَـر
فكيـف أنساك يا مَدَى هممي وأنـت مـني بمـوضع النـظـر!

وقال واجد هائم في بيداء الحب الالهي والهٌ:
إذا صـدَّ مـن أهـوى صددت عـن الصد وإن حال عن عهدي أقمتُ على العهـد
فمـا الوجـد إلا أن تـذوب مـن الـوَجـد وتـصـبـح في جَـهـدٍ يـزيـد على الجُهـد

وقال أبو العباس بن عطاء الصوفي:
أجلُّك أن أشكـو الهوى منك إنني أجلك أن تـومـي إلـيـك الأصـابـع
وأصْرِف طـرفي نحـو غيـرك عامدا على أنـه بالـرغـم نـحـوك راجـع

وقلت:
ذَاقَ طَعْمَ الإيمَانِ كُلُّ خَلِيـلٍ حَبَّ مِنْ قَلْبِـهِ وَليـاً مُحِـقّــاً
خُلَّةٌ يَسْـتَقِي بِهَا الخِلُّ حُبّــاً لِلإلــهِ ولِلرَّسُــولِ وَشَــوْقــاً
يَكْرَهُ الكُـفْــرَ أَنْ يَـعُــودَ إِلَيْهِ وَيَدُقُّ جَمَـاجِمَ الظُّلْـمِ دَقّــاً




[1] ابن تيمية في "الفتاوي" ج 10 ص 335.
[2] الرسالة ص 39.
[3] ابن القيم في "الوابل الصيب" ص 62.
[4] الإحياء ج 1 ص 63.
[5] المصدر السابق ص 265.
[6] طريق الهجرتين ص 421.
اسال الله تعالى أن يجعل هذه الرشحات لوجهه الكريم
اسأل الله تعالى ، أن يجعل من خذمة هته الصلاة المباركة التي أتحفنا بها أحد المعاصرين خالصة لوجهه الكريم آمين.
مراج البحث:
1.القرآن الكريم.
2.كتاب الرسالة القشيرية.
3.الفتوحات المكية لبن عربي.
4.شرح الجامي.
5.كتاب اللمع لأبي سراج الطوسي.
6.كتاب المنهاج النبوي للشيخ عبد السلام ياسين.
7.كتاب الأحسان للشيخ عبد السلام ياسين.
8.كتب للقوم أخرى
avatar
عمرسعيدالحسني
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 20
العمر : 46
الموقع : www.manthoor.com
المزاج : معتدل هادئ محب للحوار
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف فراج يعقوب في الإثنين 12 ديسمبر 2011 - 17:33

جزاك الله خيرا
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم

فراج يعقوب
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 29
العمر : 57
تاريخ التسجيل : 03/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف قيصر الحب في الثلاثاء 17 أبريل 2012 - 6:42

يسلمووو ع الطـرح الآكثـر من رآئـع ..
دوووم هـ التميـز والآبـدآع ..
و يعطيـك العآفيـة ..
لك مودتـي ..
ووردي ..

قيصر الحب
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 2
العمر : 37
تاريخ التسجيل : 17/04/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف فراج يعقوب في الإثنين 25 فبراير 2013 - 4:24

جزاك الله خيرا
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم

فراج يعقوب
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 29
العمر : 57
تاريخ التسجيل : 03/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رشحات البال لما في صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .....

مُساهمة من طرف فراج يعقوب في الأربعاء 22 مايو 2013 - 17:21

للرفع
جزاك الله خيرا
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم

فراج يعقوب
محـسى جـديـد
محـسى جـديـد

عدد الرسائل : 29
العمر : 57
تاريخ التسجيل : 03/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى