فى اليـــــقين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فى اليـــــقين

مُساهمة من طرف starspole في الخميس 11 أكتوبر 2007 - 4:57

فى اليـــــقين

ابو حامد الغزالى
اليقين هو رأس مال الدين

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ اليقين الإيمان كله ‏"‏
.. فلابد من تعلم علم اليقين أعني أوائله ثم ينفتح للقلب طريقه ..
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ تعلموا اليقين ‏"‏
ومعناه جالسوا الموقنين واستمعوا منهم علم اليقين
وواظبوا على الاقتداء بهم ليقوى يقينكم كما قوي يقينهم وقليل من اليقين خير من كثير من العمل‏.‏
وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ما من آدمي إلا وله ذنوب
ولكن من كان غريزته العقل وسجيته اليقين لم تضره الذنوب
لأنه كلما أذنب تاب واستغفر وندم فتكفر ذنوبه ويبقى له فضل يدخل به الجنة ‏"‏
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إن من أقل ما أوتيتم‏:‏ اليقين وعزيمة الصبر
ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار ‏"‏ ..
وفي وصية لقمان لابنه يا بني لا يستطاع العمل إلا باليقين
ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه ولا يقصر عامل حتى ينقص يقينه ..
وقال يحيى بن معاذ إن للتوحيد نوراً وللشرك ناراً
وإن نور التوحيد أحرق لسيئات الموحدين من نار الشرك لحسنات المشركين
وأراد به اليقين وقد أشار الله تعالى في القرآن إلى ذكر الموقنين
في مواضع دل بها على أن اليقين هو الرابطة للخيرات والسعادات‏.‏
فإن قلت‏:‏ فما معنى اليقين وما معنى قوته وضعفه ..
فلابد من فهمه أولاً ثم الاشتغال بطلبه وتعلمه .. فإن ما لا تفهم صورته لا يمكن طلبه ..
فاعلم أن اليقين لفظ مشترك يطلقه فريقان لمعنيين مختلفين ..
** الفريق الاول : النظار والمتكلمون
يعبرون به عن عدم الشك إذ ميل النفس إلى التصديق بالشيء له أربع مقامات
الأول ‏:‏ أن يعتدل التصديق والتكذيب ويعبر عنه بالشك ..
كما إذا سئلت عن شخص معين أن الله تعالى يعاقبه أم لا ..
وهو مجهول الحال عندك ..
فإن نفسك لا تميل إلى الحك م فيه بإثبات ولا نفى ..
بل يستوي عندك إمكان الأمرين فيسمى هذا شكاً‏.‏
الثاني‏ : أن تميل نفسك إلى أحد الأمرين مع الشعور بإمكان نقيضه
ولكنه إمكان لا يمنع ترجيح الأول كما إذا سئلت عن رجل تعرفه بالصلاح والتقوى
أنه بعينه لو مات على هذه الحالة هل يعاقب فإن نفسك
تميل إلى أنه لا يعاقب أكثر من ميلها إلى العقاب وذلك لظهور علامات الصلاح‏.‏
ومع هذا فأنت تجوز اختفاء أمر موجب للعقاب في باطنه وسريرته
فهذا التجويز مساو لذلك الميل ولكنه غير دافع رجحانه فهذه الحالة تسمى ظناً‏.‏
الثالث‏:‏ أن تميل النفس إلى التصديق بشيء بحيث يغلب عليها ولا يخطر بالبال غيره ..
ولو خطر بالبال تأبى النفس عن قبوله .. ولكن ليس ذلك من معرفة محققة ..
إذ لو أن صاحب هذا المقام اصغى إلى التشكيك والتجويز ..
اتسعت نفسه للتجويز ..
وهذا يسمى اعتقاداً مقارباً لليقين
وهو اعتقاد العوام في الشرعيات كلها إذ رسخ في نفوسهم بمجرد السماع
حتى إن كل فرقة تثق بصحة مذهبها وإصابة إمامها ومتبوعها
ولو ذكر لأحدهم إمكان خطأ إمامه نفر عن قبوله‏.‏
الرابع‏ : ‏ المعرفة الحقيقية الحاصلة بطريق البرهان الذي لا يشك فيه ولا يتصور الشك فيه ..
فإذا امتنع وجود الشك وإمكانه يسمى يقيناً عند هؤلاء .
**الفريق الثاني : الفقهاء والمتصوفة وأكثر العلماء
وهو أن لا يلتفت فيه إلى اعت بار التجويز والشك ..
بل إلى استيلائه وغلبته على العقل‏ ..
‏ حتى يقال‏.‏ . فلان ضعيف اليقين بالموت مع أنه لاشك فيه ..
ويقال‏:‏ فلان قوي اليقين في إتيان الرزق مع أنه قد يجوز أنه لا يأتيه .
فاذا مالت النفس إلى التصديق بشيء وغلب ذلك على القلب واستولى ..
حتى صار هو المتحكم والمتصرف في النفس .. سمي ذلك يقيناً ..
ولا شك في أن الناس يشتركون في القطع الموت والانفكاك عن الشك فيه ..
ولكن فيهم من لا يلتفت إليه ولا إلى الاستعداد له وكأنه غير موقن به‏.‏
ومنهم من استولى ذلك على قلبه حتى استغرق جميع همه بالاستعداد له ولم يغادر فيه متسعاً لغيره ..
فيعبر عن مثل هذه الحالة بقوة اليقين
ولذلك قال بعضهم‏. :
ما رأيت يقيناً لاشك فيه .. أشبه بشك لا يقين فيه .. من الموت ..
وعلى هذا الاصطلاح يوصف اليقين بالضعف والقوة ..
ونحن إنما أردنا بقولنا ‏"‏ من شأن علماء الآخرة صرف العناية إلى تقوية اليقين ‏"‏
بالمعنيين جميعاً وهو نفي الشك ثم تسليط اليقين على النفس
حتى يكون هو الغالب المتحكم عليها المتصرف فيها ‏.‏
و قد يكون العالم قوى اليقين في جميع ما ورد الشرع به وقد يكون قوى اليقين في بعضه‏.‏
فإن قلت‏:‏ قد فهمت اليقين وقوته وضعفه وكثرته وقلته وجلاءه وخفاءه ..
بمعنى نفي الشك أو بمعنى الاستيلاء على القلب ..
فما معنى متعلقات اليقين ومجاريه .. وفيماذا يطلب اليقين ..
فإني ما لم أعرف ما يطلب فيه اليقين لم أقدر على طلبه ..
فاعلم : أن جميع ما ورد به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم من أوله إلى آخره ..
هو من مجاري اليقين .. فإن اليقين عبارة عن معرفة متعلقة بالمعلومات
التي وردت بها الشرائع فلا مطمع في إحصائها ولكني أشير إلى بعضها وهي أمهاتها‏.‏
فمن ذلك‏:‏ التوحيد‏.‏
وهو أن يرى الأشياء كلها من مسبب الأسباب ولا يلتفت إلى الوسائط
بل يرى الوسائط مسخرة لا حكم لها فالمصدق بهذا موقن ..
فإن انتفى عن قلبه إمكان الشك فهو مرقن بأحد المعنيين ..
فإن غلب على قلبه مع الإيمان غلبة أزالت عنه الغضب على الوسائط والرضا عنهم والشكر لهم ..
ونزل الوسائط في قلبه منزلة القلم واليد .. في حق المنعم بالتوقيع .. فإنه لا يشكر القلم ولا اليد ولا يغضب عليهما .. بل يراهما آلتين مسخرتين وواسطتين .. فقد صار موقناً بالمعنى الثاني وهو الإشراف وهو ثمرة اليقين الأول وروحه وفائدته‏.‏
و لو تحقق أن الشمس والنجوم والجمادات والنبات والحيوان وكل مخلوق .. فهي مسخرات بأمره .. مثل تسخير القلم في يد الكاتب .. وأن القدرة الأزلية هي المصدر للكل .. استولى على قلبه غلبة التوكل والرضا والتسليم .. وصار موقناً بريئاً من الغضب والحقد والحسد وسوء الخلق فهذا أحدد أبواب اليقين‏.‏
ومن ذلك‏:‏ الثقة بضمان الله سبحانه بالرزق في قوله تعالى ‏"‏ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ‏"‏ واليقين بان ذلك يأتيه وأن ما قدر له سيساق إليه ومهما غلب ذلك على قلبه كان مجملاً في الطلب ولم يشتد حرصه وشرهه وتأسفه على ما فاته وأثمر هذا اليقين أيضاً جملة من الطاعات والأخلاق الحميدة‏.‏
ومن ذلك‏ :‏ أن يغلب على قلبه أن من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره وهو اليقين بالثواب والعقاب حتى يرى نسبة الطاعات إلى الثواب .. كنسبة الخبز إلى الشبع .. ونسبة العاصي إلى العقاب .. كنسبة السموم والأفاعي إلى الهلاك .. فكما يحرص على التحصيل للخبز طلباً للشبع فيحفظ قليله وكثيره .. فكذلك يحرص على الطاعات كلها قليلها وكثيرها .. وكما يجتنب قليل السموم وكثيرها .. فكذلك يجتنب المعاصي قليلها وكثيرها وصغيرها وكبيرها .. فاليقين بالمعنى الأول قد يوجد لعموم المؤمنين أما بالمعنى الثاني فيختص به المقربون .. وثمرة هذا اليقين صدق المراقبة في الحركات والسكنات و الخطرات .. والمبالغة في التقوى والتحرز عن كل السيئات وكلما كان اليقين أغلب كان الاحتراز أشد والتشمير أبلغ‏.‏
ومن ذلك : اليقين بأن الله تعالى مطلع عليك في كل حال ومشاهد لهواجس ضميرك وخفايا خواطرك وفكرك .. فهذا متيقن عند كل مؤمن بالمعنى الأول وهو عدم الشك ..
وأما بالمعنى الثاني وهو المقصود فهو عزيز يختص به الصديقون .. وثمرته أن يكون الإنسان في خلوته متأدباً في جميع أحواله . . كالجالس بمشهد ملك معظم ينظر إليه ..فإنه لا يزال مطرقاً متأدباً في جميع أعماله .. متماسكاً محترزاً عن كل حركة تخالف هيئة الأدب .. ويكون في فكرته الباطنة كهو في أعماله الظاهرة .. إذ يتحقق أن الله تعالى مطلع على سريرته كما يطلع الخلق على ظاهره .. فتكون مبالغته في عمارة باطنه وتطهيره وتزيينه بعين الله تعالى الكائنة .. أشد من مبالغته في تزيين ظاهره لسائر الناس .. وهذا المقام في اليقين .. يورث الحياء والخوف والانكسار والذل والاستكانة والخضوع .. وجملة من الأخلاق المحمودة .. وهذه الأخلاق تورث أنواعاً من الطاعات رفيعة .. فاليقين في كل باب من هذه الأبواب مثل الشجرة .. وهذه الأخلاق في القلب مثل الأغصان المتفرعة منها .. وهذه الأعمال والطاعات الصادرة من الأخلاق كالثمار .. وكالأنوار المتفرعة من الأغصان .. فاليقين هو الأصل والأساس وله مجار وأبواب أكثر مما عددناه .
وهذا القدر كاف في معنى اللفظ الآن‏.‏
avatar
starspole
مـديــر منتدى المحـسى
مـديــر منتدى المحـسى

عدد الرسائل : 160
العمر : 48
الموقع : http://alshrefalm7sy.googlepages.com/
تاريخ التسجيل : 29/09/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://starspole.googlepages.com/home

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى